Tuesday, November 21, 2006

Wednesday, September 13, 2006

عودة مجددا

بسم الله الرحمن الرحيم
مضت الايام وتوالت الاحداث ..وانشغلنا في زحمة الحياة بعيدا عن الكمبيوتر وحتى بعيدا عن المنزل , كما هي العادة في كل صيف ..نذهب الى اماكن اخرى ونسافر لعلنا نكتشف عوالم اخرى مجهولة ..والحمد لله ها نحن نعود لنستمر في تدوين بعض الخواطر او المقتطفات من كتب قراءناها ونالت اعجابنا ..بما يسمح لنا الوقت.. ...

Wednesday, June 07, 2006

الجزء الرابع

(فساطو) و ( جادو) في 24 يناير
1912
م
رحلنا عن (الجوش) وبعد مسيرة ثلاث ساعات تقريبا مررنا بنبع يسمى نبع (عين الغزال) , حيث عسكرنا وقد بدأ
خدمي يتعودون شيئا فشئيا على نصب خيمتي , كما تعلموا طبخ الطعام بعض الشيء . وكذلك اعداد سريري الخشبي , كما قل ميلهم الى تحطيم كل ما يمسونه بأيديهم .
ولقد كنت شديد الامتنان من ترجماني العلمي عليش , فهو شاب درس في المدرسة التجارية بمدينة الجزائر وابوه قائد جزائري , وقد كان شابا نشطا وذكيا ومخلصا , وقد ادى لي الكثير من الخدمات , ولست اعتقد انني واجد افضل منه , لا كترجمان فحسب بل وكرفيق طريق ايضا.
وفي الهزيع الاخير من الليل صحا احد اصحاب الجمال الليبيين المرافقين لي واخذ يؤدي الصلاة. اما خادماي ..فبالرغم من انهما اخوان الطريقة العيساوية – أي انهما اولى بالمحافظة على الصلاة في اوقاتها – الا انهما استمرا في النوم والتشخير كعادتهما.
ووصلنا ظهر يوم 23 يناير الى بلدة (شكشوك) , وهي عبارة عن واحة صغيرة خصبة , بها بضعة اكواخ وضريح مرابط...يحيط بها النخيل المتراص الصفوف فبدا كأنه يحميها بخضرته من رمال الصحراء الصفراء المحيطة بها . كما كان بها نبع ماء صاف .وبعد ان غادرناها بدأنا نصعد عبر ارض عالية مليئة بالحصى ..وعن بعد بدت لنا قمم جبال فساطو بارزة وسط الصحراء . ومررنا ببضع نخلات جرداء اخذت تتمايل سعفاتها القليلة مع الرياح كأنها مكانس قديمة . وواصلنا اجتياز الوادي عبر الصخور والحصي الذي صقلته السنون والمياه. فبدأ في قعر الوادي مرصوفا ومتراصا بأحكام كأنه شارع من شوارع مدينة توسكانية .. وقد لاحظت ان الفلاحين الليبيين قد قاموا بجهد كبير في حفر القنوات يحتفظون فيها بمياه الامطار , كما انهم قد استقدموا اتربة واقاموا مزارع وبساتين ازدهرت بالخضرة والحبوب... وهكذا , فقد كنت المح هنا وهناك بين الجبال والروابي , مشاتل خضرة ومزارع احيطت بأسيجة من الاحجار . ثم اخذت الارض تنحدر امامنا . وشاهدت على يساري واديا اخضر انعقدت على ارضه جذوع الاشجار واختلطت , وقد دعم احدها الآخر في بطن ذلك الوادي الذي عششت على جانبيه القرى. ولست ادري كيف يمكن الوصول الى تلك القرى والواحات رائعة المنظر , تصعد اليها دروب ملتوية . وتتفجر فيها ينابيع ماء تنساب بين اشجار النخيل والزيتون التي بدت قديمة العهد طاعنة السن , اذ ان فروعها قد دعمت بأحجار كبيرة, وهكذا فقد غاصت القرى وراء اسيجة من السعف والاغصان الخضراء.
واجتزنا احد تلك الواحات الصغيرة التي تركناها على يسارنا , تفصلنا عنها الصخور , وها نحن من جديد بين الصخور العارية , حيث اتخذت الطبيعة لنفسها ذلك المظهر الذي رايتها عليه يوم وصولي الى (نالوت).. اذ اختلطت الخضرة عن بعد مع لون الصحراء الكبريتي الاصفر عبر مساحات شاسعة , اما الدرب الضيق الذي اخذنا نعبره فقد بدا دربا اسطوريا. فخيل الى ان جمالنا وخيولنا لن تنجح في اجتيازه , فهو قد شق وسط صخور ضخمة على حافة هوة سحيقة كنت اتوقع ان تجرفنا بين لحظة واخرى.
ثم بدت امامنا بلدة(جادو) شامخة , وما ان لمحنا اهلها حتى خرجوا امام بيوتهم. وقد اندهشوا خصوصا لمرأى قبعتي الاوروبية التي نسيت حتى الآن ان استبدلها بغطاء راس محلي . وصعدنا في البلدة حتى وصلنا الى البرج فدخلناه . حيث كان في استقبالنا قائد عسكري وضباطه ورحبوا بنا كل الترحيب .
وقائم مقام (فساطو) , أي حاكمها هو شيخ ليبي , وقد ذهب البعض الى مكتبه لاعلامه بوصولنا . وما لبث ان اقبل علينا وقد علت على وجهه علامات التكبر والتأفف , حيث رفض ان يحييني بالرغم من ان الضابط التركي آمر الحايمة قد نبهه الى وجودي ثلاث مرات. ولكنه اتخذ له مجلسا غير آبه بي . وقد سرحت نظراته المتجاهله في الفضاء . ثم قدمت الينا القهوة . وبعد ذلك اصطحبنا ضابط طرابلسي برتبة نقيب يدعى (العربي بي) الى بيت خصص لاستضافتنا, وصلناه بعدما اخترقنا طريقا ملتويا. وفي هذه اللحظة لحق بنا احد اليبيين قال انه قادم الينا من طرف القائم مقام الذي قرر فجاءة ان ننزل ضيوفا عليه في بيته الخاص . فتبعناه حيث تسلقنا وراءه درجات السلم الذي يفضي الى مقصورة عالية من الرج حيث وجدنا القائم مقام في انتظارنا , فاستقبلنب هذه المرة بكل ترحاب . واجلست على مقعد وثير , حيث جاء بعض اعيان البلدة لتحيتي . وخلافا للاستقبال الاول . فأنني لاحظت ان الحاضرين كانوا كثيري التودد الي والتبسط معي . وكلف القاءم مقام ابنه . وهو جندي بالسهر على راحتنا كما كلف جنديا آخر بأن يلازمنا آناء الليل واطراف النهار . والا يتركنا الا اذا طلبنا منه نحن ذلك . اما النقيب (العربي بي) فقد اوكل اليه تدبير امور اكلنا والبقاء في صحبتنا .
وبعد فراغنا من تنناول العشاء توارد الضباط الاخرون علينا في جماعات للتحية والتعرف بنا , وكانوا يبقون معنا وقتا طويلا , يتجاذبون اطراف الحديث ,يروون لنا ذكرياتهم عندما كانوا مجندين في حروب تركيا في اليمن وفي البانيا , قائلين انها كانت حروبا طاحنة جرت احداثها تحت شدة البرد او تحت وهج الشمس ,عبر جبال يبلغ ارتفاعها ما بين الفين وثلاثة الاف متر , وليس بها طرق , وحكوا لي كيف انهم اصيبوا بالاسهالات المعوية وغيرها من الامراض , في وقت كانوا يواجهون فيه اعدى الاعداء, والواقع انهم قد بدوا لي في منتهى الطيبة , في صلابة وبساطة, وكانت لهم مشية عسكرية حقة. وليس لي الا ان اعجب برجال مثلهم, قضوا حياتهم في الخدمة العسكرية بمعسكرات وثكنات نائية. راضين برواتب زهيدة وملابس ردئية. يحيون حياة خالية من كل ترفيه.باذلين شبابهم وحياتهم لخدمة وطنهم.
واثناء الليل شعرت باهتزاز جدران الغرفة التي ننام فيها, من شدة هبوب الرياح العاتية التي كانت تصفر في جنبات تلك الوديان العارية وجدران البيوت, حيث تجوب اطرافها فتزلزل المنازل المتواضعة وتفري الصخور العالية,التي تحول الكثير منها الى رقائق والسنة ناتئة من كثرة ما تعرضت لهبوب تلك الرياح.
ثم اقفلت قافلة مكونة من اربعين جملا محملا بأمدادات ومؤن قاصدة بها الى اماكن متعددة من طرابلس لتزويدها , وحطت جميعها في ساحة البرج في جلبة وحركةز باحثة عن مواضع لقضاء الليل في تلك الساحة , حيث علت صيحات وحداتها واصحابها واختلطت في هدأت الليل .
وبقينا في بلدة جادو طسيلة يوم الرابع والعشرين من يناير. وقج كان الطقس مكفهرا والسماء ملبدة بالغيوم والرياح العاتية. وطيلة الوقت كان ضباط الحامية التركية يعبرون لنا عن توددهم. وظلوا في صحبتنا متجولين بنا في وادي (طموغوث).
وسرعان ما توثقت عرى الصداقة والمودة بيني وبين قائم مقام (فساطو) الليبي. وكان الفضل يعود في ذلك لترجماني الجزائري الذي خطرت بباله فكرة جهنمية لتملق كبرياء ذلك الرجل . اذ قال له ان مجلة المصور الفرنسية, التي اعمل مراسلا لها , قد سبق لها وان نشرت صورة قائم مقام في احد اعدادها السابقة, وان ذلك العدد من المجلة حينما وصلت بعض نسخه الى الجزائر بادر الجزائريون الى انتزاع صورته منها وعلقوها على جدران المساجد والمقاهي تكريما له في كفاحه ضد الايطاليين , وانهم بالرغم من عدم معرفتهم الشخصية به, الا انهم قد اجلوه ودعوا له بالبركة بسبب ذوده عن جمى الاسلام. وللحق فان الصورة التي عرضت عليه في المجلة لم تكن صورته هو, بل صورة احد المجاهدين الليبيين الآخرين , الا ان الضباط الحاضرين اعتقدوا انها صورته . وقد فطنت انا للامر بمجرد ان نظرت الى الصورة المنشورة في المجلة وخشيت ان يفطن للامر فتكون الطامة الكبرى , لكنه لم ينتبه للخدعة لحسن الحظ. وانطلت الحيلة عليه بعض الشيء , وان كان قد بدا لي وهو يتفرسها انه يداخله بعض الشك وخيبة الامل.
وتضم منطقة فساطو-جادو حوالي خمسة وعشرين قرية يسكنها قرابة عشرين الف نسمة. معظمهم من البدو الرحل الذين يغادرون قراهم خلال فترة من السنة حيث يذهبون للفلاحة في الوديان المجاورة او عند اطراف الصحراء , حيث تهطل الامطار في فصل الشتاء , مما يمنح الارض بعض الرطوبة التي تجعلها صالحة للزراعة.
ويبلغ عدد اولاد القائم مقام خمسة عشر ابنا , معظمهم يعملون كضباط في الجيش التركي او موظفين محليين, وقد لاحظت ان الناس هنا على اتم الاستعداد للدفاع عن ديارهم ضد الغزاة الايطاليين. وقد غادر عدد كبير من السكان فعلا قراهم وانظموا الى بقية المجاهدين في معسكر (العزيزية) , في حين ظل الاخرون مستعدين لتلقي اول اشارة بأستدعائهم.
وقد علمت ان افراد بعثة الحفريات الاثرية الايطالية المسماة بعثة(سان فيليبو) التي فاجأتها الحرب وهي تباشر تنقيبها في طرابلس , وهي البعثة التي اشاعت ايطاليا ان الليبيين قد ذبحوا افرادها. غير انها في الحقيقة ما تزال موجودة لم ينلها أي اذى , وقد اختلف الناس في تحديد المكان الذي توجد به تلك البعثة حاليا, فالبعض يقول انها في بلدة سوكنة والبعض الآخر يقول انها في مكان ما بين طرابلس ومرزق , وآخرون يدعون انها بمنطقة الشاطيء بفزان . أي على مسيرة ثمانية ايام شمالي مرزق.


يفرن في 27 يناير 1912م

لقد رحلنا عن فساطو-جادو اول امس عند الظهر . مزمعين قضاء الليلة التالية في بلدة الزنتان التي تبعد عنها
مسيرة خمس ساعات . وعندما دنت ساعة رحيلنا تجمع اعيان البلدة في ساحة البرج لوداعنا. وكان المشهد رائعا وخارقا للعادة. ونحن نودع الناس فس تلك الساحة التي كنستها الرياح وتجمعت فيها قافلة الاربعين جملا المحملة بالعتاد والمؤن.. والتي كانت على اهبة الاستعداد لنقلها للمجاهدين الليبيين. ورحلت امامي جمالنا يسوقها جمالوها الذين التحفوا ببرانسهم فلم تعد تبدو منهم سوى اعينهم. واجلت النظر حولي وانا اتحرك فوق صهوة جوادي , فرايت حول القصر القديم بيوتا عربية متناثرة . وقد بنيت حول القصر غرف عالية لها شرفات, ويصعد عن طريق درجات حجرية . وقد شاهدت الناس يهرعون منها ومن القرى القرى المجاورة, ثم يتجمعون حول قافلتنا وهي تحاول ان تجد لها منفذا تخرج منه . ثم لمحت القائم مقام آتيا نحونا وقد ارتدى قميصا ابيض طويلا فوق جبة زرقاء داكنة , وكان يعرج من جراء جرح في احد فخذيه , ولذا فأنه كان يستعين في مشيه بعصا يتكيء عليها , وكان اولاده وخدمه يتبعونه, واستمر الناس يتجمعون حولنا , وهرع الكثيرن منهم الى ساحة القصر , في حين اطل علينا الاخرون من فوق الجدران والاسوار و وكانوا ملوحين لما محيين او يكتفون بالتحديق فينا وقد تلحفوا بأرديتهم وببرانسهم . وكنت المح بينهم الجنود والشيوخ والاعيان والاطفال, ومنهم النقي البشرة ومنهم الشديد السمرة , والحقيقة ان الصورة الفوتوغرافية لا تكفي لاعطاء فكرة وافية عن جمهرتهم . اذ يتحتم ان يرقبهم المرء من جميع الزوايا حتى يتمكن من الالمام الكامل بمنظرهم.
وتوقفنا فوق ظهر دوابنا وسط مشايخهم , فتقدم مني القائم مقام واسمه ( عمر العربي بي) وتوجه الى بكلام ترجمه لي مترجمي , وهذا نصه:
_ يؤسفنا اننا لا نعرف لغتك الفرنسية كي نخاطبك بها مباشرة لنعبر لك عن خالص امتنانا لحكومة بلدك وعن صداقتنا لشخصك, وآمل الا تنقطع روابط الصداقة بيني وبينك بعد اليوم , واذا احتجت اثناء تنقلك في بلادنا الى أي مطلب يكون في استطاعتنا تلبيته , فاكتب لنا , فأن طلباتك فوق رؤسنا واعييننا .
ثم انطلقنا الى وجهتنا وحولنا جماهير غفيرة , اذ ان اصول الضيافة عند الليبيين تقتضي منهم ان يخرجوا خلف ضيفهم لوداعه الى اقصى نقطة ممكنة. بينما يبذل ضيفهم اثناء ذلك كل ما في وسعهم كي يقنعهم بالرجوع الى ديارهم تخفيفا لتعبهم. وهكذا فأنني لم اتمكن من اقناعهم بالتوقف الا بعد لاي ورجاء متكرر . ولا تعتقدوا ان المشهد كان مشهدا مصطنعا , فأن مودعي كانوا يفعلون ذلك من اعماق انفسهم وبشكل صادق . وليس لمجرد اظهار المودة الكاذبة لي, وهكذا فأنني قد وجدته انا نفسي امرا طبيعيا.
والحقيقة انه مهما بدا لنا العرب اناسا متكلفين في خصالهم وطبائعهم , الا ان هذا لايمنع من انهم سادة عظام يحتفظون دائما بمظهر مليء بالانفة والاستعلاء الطبيعي.. وهم لا يلتصقون بنا نحن الغربيين فيظلون بذلك متميزين عنا كجنس آخر تجري في عروقه دماء اخرى غير دمائنا ولهم دين غير ديننا .هذا , في حين ان الاتراك , على العكس منهم . منفتحوا الشخصية , بسطاء طيبون, تعلو وجوههم صرامة العسكريين الذين خاضوا حروبا كثيرةز ومع ذلك فأن العرب والاتراك يشتركون في امر واحد وهو التودد الى محدثهم والاهتمام الشديد به.
وقد سبق للنقيب (شكيب بي) , المصاحب لنا و ان خاض عدة حروب وهو كما سبق وان ذكرت –يعيش منذ عدة سنوات بين طوارق ليبيا في اقاصي الصحراء . وهو عائد الآن من بلدة غات. ولم يعد هذا الضابط التركي ينتعل سوى صندل غدامسي , كما انه لم يعد يرتدي سوى خرق بالية , فقد حرقت الشمس كتفيه واتلفت لباسه , وقد ظل خلال اليزميين الاولين اللذين اعقبا انظمامه الة قافلتنا في نالوت صامتا لا ينبس ببنت شفة . وكان يتناول طعامه جالسا بعيد عنا , غير ان تلك الليلة العاصفة التي قضيناها في (وادي غيلة) قد قربيت بيننا وبينه بعض الشيء , فنحن الآن اصدقاء , بالرغم من انه ليس ثرثارا , ومع ذلك فقد صار يثق في ويفضي الي بدخيلة نفسه الى درجة انه اصبح قادرا على سرد تاريخ حياته وانطباعاته عن الصحراء لي بكلمات متعثرة بعضها فرنسي وبعضها تركي او عربي , وهو لا يعشق سوى الصحراء , لانها فيما يقول (تشعر الانسان براحة البال ) . وقد اسر لي بعد ان نشأت الالفة بيني وبينه انه كان يخشى من الايام الاولى لصحبته لنا ان احتقره بسبب اقدامه شبه الحافية , ولباسه الرث الممزق , بل وكان يخشى اكثر ان التقط له صورة ابعث بها الى مجلتي لتنشرها كمثل سيء للضابط التركي البائس الحافي . وقد حز في نفسه على الخصوص انه لم يكن في وسعه ان يوفر لنا خيمة اضافية يدعونا تحتها لتناول وجبة شهية . وعلى اية حال فأن فرصة اتحافنا بمثل تلك الوجبة قد سنحت له فعلا في بلدة الجوش عندما اصطاد لنا زملاؤه الاتراك غزالة قام هو بطبخ لحمها وطحالها واعداد مرقها الحاذق لنا , كما سبق وذكرت.
انطلقنا في رحلتنا وسط منطقة شبه خالية, اذ الناس اما انتقلوا الى الوديان التي هطلت بها الامطار لحرثها . او ذهبوا للجهاد ضد الايطاليين في منطقة طرابلس . وقلة منهم هي التي مررنا بها تعمل في الحقول المجاورة . وقد بدا هؤلاء في حالة يرثى لها من سؤ التغذية والنحافة , فقد كانت وجوههم شاحبة وأجسامهم لا تعدو ان تكون مجرد هياكل عظمية متحركة , وقد مررنا بأطفال يلعبون. فأنطلق احدهم خلفنا حيث اخذ ينقب من روث دوابنا عن حبات الشعير المختلطة بها , مما يدلل على ان المجاعة تضرب اطنابها بعنف في هذه المنطقة, وقد اخبرني احد الاطباء مرة ان وباء التيفوس منتشر هنا نتيجة لشرب الناس للمياه الملوثة بالعدوى, كما ان معظم الناس مصابون بالرمد الحبيبيى.
وانتظمت الطريق امامنا بعد جالو بمحاذاة الجبال , واخذت الطبيعة تفقد شيئا فشئيا بعضا من وحشتها وكآبتها. وبدانا نمر من خلال اودية صغيرة متعاقبة, نامت في احضانها بساتين التين والزيتون , وكثر العشب الاخضر الموشي بأزهار النرجس والبنفسج البري .
ثم وصلنا بلدة الزنتان , وهي قرية كبيرة يقطن بعض سكانها في الكهوف التي كانت فتحاتها فاغرة بين الصخور , وكانت لتلك الكهوف شرفات مصطبية تمتد امام كل واحد منها, وكانت قد شيدت عند مداخل بعضها اعمدة واقواس حجرية, واخذنا نمر بين تلك الكهوف المسكونة التي تبعثرت بينها هنا وهناك المزارع وآجام النخيل التي نمت في تربة ارجوانية تتخللها بين آن وآخر احجار وصخور صفراء في لون كبريتي ..وقد اضفت اشعة الشمس الغاربة على هذه المنطقة , وعلى قافلتنا التي تخترقها , جوا خياليا غريبا ذكرني بالجو الذي توحى به زخارف فناني الشرق الاقصى.
واستقبلنا اليوم بترحاب , حيث قضينا الليل في مبنى شبيه بالقبر . وهو مبنى مستطيل يبلغ طوله حوالي ستة امتار واتساعه ثلاثة امتار , وله سقف شبيه بالقبة المستديرة . وكانت توجد بداخل كل طرف من اطراف المبنى مصطبة تستعمل كسرير للنوم والاضطجاع . اما القبة فقد كانت ترتكز على جدران بها نوافذ صغيرة كالثقوب تشابكت بها القضبان الحديديه . وكان السقف المقعر مدعوما كذلك بثلاثة اقواس داخلية مرتكزة على عرصات ملتصقة بالجدران.
وتقدم احدهم فوضع على كل مصطبة سجادة حمراء . ثم اشعل شمعتين ووضع كلا منهما في احد النوافذ , ثم تلاه اخر يحمل موقد به نار ووضعه في وسط الحجرة , فقد كان البرد قارصا للغاية , ثم تقدم مني احد الطرابلسيين كان يلتحف برداء ابيض وتبدو عليه سيماء الكآبة. كأنه غسال موتى , فدعاني بترحاب للدخول, فخيل الي انه يستدرجني الى العالم ألآخر , بحيث انني ما ان استلقيت على احد المصاطب حتى اعتقدت انني قد تمددت فعلا فوق فراش الموت!!
بعد ذلك اقبل علينا بعض المجاهدين الليبيين الذين عادوا لتوهم من جبهة القتال , فأخذوا يروون لي عنها قصصا رائعة, وقد لاحظت ان الليبيين قوم شجعان وكثيروا التبجح والمبالغة في آن واحد, زد على ذلك ان لهم خيالا واسعا. اذ انني قد سمعت في تلك الليلة روايات ذكرتني بخرافات واساطير الف ليلة وليلة (1). ومن بينها مثلا : ان الفرسان الليبيين كانوا يرمون بأنفسهم وبخيولهم لجة البحر مفرغين بارود بنادقهم مباشرة على سفن الايطاليين الراسية عند ميناء طرابلس , او يجذبونها خلفهم حتى تنغرس مقدماتها في رمال الشاطيء فتعجز عن الاقلاع من جديد , ان مثل هذه الروايات المبالغ فيها عن بطولاتهم ستتناولها حتما افواه السمار المتحلقين في المخيمات وفي القرى وفي الانجع حول مواقد النار , ولسوف ينظمها الشعراء الشعبيون اشعارا يتغنى بها المغنون فتتردد اصداؤها في افريقيا الشمالية برمتها كرمز لشجاعة المجاهدين المسلمين.
وفي الصباح واصلنا رحلتنا , حيث اخترقنا واديا غطاه الصقيع وتناثرت فيه ازهار البنفسج والنرجس . وكانت براعم ازهار اشجار اللوز قد تفتحت قبل اوانها , وكان هنالك بعض الضباب الصباحي . اما السماء فقد كانت تكدرها بعض الغيوم البيضاء , فخيل الى انني اخترق الريف الفرنسي في احد ايام الربيع, غير انني صحوت من حلمي حين تحققت من ان من كانوا حولي هم من الليببيين ذوي الانوف الشماء الملتحفين بأرديتهم البيضاء التي ذكرتني بتلك الاردية التي كان يلبسها الناس في العهود الانجيلية الغابرة.وقد امتطوا جمالهم الغزيرة الوبر حاملين بنادقهم القديمة التي بلغ طول الواحد منها حوالي المترين وقد حليت برسومات من الصدف..وبدون انقطاع كنا نلاحظ على جانبي الطريق اشجار الزيتون والتين , بل وحتى كرمات العنب ,فأن هذه الارض , ان هي احسنت زراعتها , كفيلة بأن تعطي محاصيل طيبة..
(1) ان الكاتب وهو يتهم الليبيين بالمبالغة والتبجح هنا, لن يلبث فيغير رايه تماما , عندما سيشهد مواقفهم البطولية الحقة في العزيزية والكويفية وضواحي درنة , ولسوف يدهش لما يتمتعون به من شجاعة تفوق الوصف , كما سيرد ذكره في الصفحات التالية.
وبعد مضي ساعتين على مغادرتنا بلدة الزنتان , اخذنا نجتاز منطقة (المنصورة) , حيث مررنا بآثار رومانية وبقايا قبور قديمة وساحات مبان مهدمة غطت الرمال والاتربة معظمها . كما شاهدت كذلك عمودا مرمريا محطما واحجارا مخروطة من الجرانيت الصلد. وفي المساء توقفنا امام بستان به نخيل واشجار لوز وزيتون , اختلطت تحتها الزهور المختلفة . وجرى بجانبها نبع ماء صاف , فتمنيت ان نقضي الليلة هناك . غير ان قافلة جمالنا التي تركناها خلفنا على بعد مسافة كبيرة منا, قد ضلت الطريق . فانتظرنا زهاء الساعتين دون ان تلحق القافلة بنا. فأضطررنا الى مواصلة سيرنا حيث تطوع طفل صغير , التقينا به , بمصاحبتنا ليدلنا على الطريق المؤدية الى يفرن بدلا من ان نقضي الليل في الخلاء.
كان القمر يبدد الظلمات , وبدت في الافق بوادر عاصفة . وكنا نمضي فوق صهوات جيادنا قابضين على الجمتها بكل حرص , فقد كنا نخترق وديانا مليئة بالصخور الخطرة , فنحن نتفادى الوقوع بينها, وكان الطفل الليبي ينطلق امامنا على قدميه , قافزا بين الصخور , وقج تلحف برداء قديم من الصوف , فبدا وهو ينط هنا وهناك ,وقد شد رداءه حول جسمه , كدمية ذات سيقان طويلة , وقد لاحظت ان لليبيين تفننا في مشيتهم يعجز الناس عندنا عن مثله , خصوصا ان كانوا حفاة الاقدام . وعثر جوادي فجاءة فوقعت على الارض . كما وقع الطفل هو الآخر ثلاث او اربع مرات , برغم براعة ارجله في القفز , وخشيت ان تجرحه الصخور الناتئة في جبينه . وكنا نمر عن بعد علىالمزيد من القرى التي لا يختلف لون مبانيها عن لون الصخور الداكنة , ولذا فأننا لم نكن نتبينها الا بعد سماع نباح كلابها. وواصلنا رحلتنا بين مطبات الصخور , حيث كنا نلمح من آن لآخر لمعان البرق في الافق الذي اخذ ينذر بالعاصفة , وكان الطفل يؤكد لنا ان ما نراه ليس برقا بل هو لهيب قذائف الايطاليين المنصبة على مدينة زوارة . لكن الطفل كان مخطئا . فأن اللمعان الذي كنا نراه في الافق لم يكن يصدر من جهة زوارة.
واخيرا , وعندما كانت الساعة حوالي العاشرة ليلا, لمحنا جدران مدينة, وشاهدنا امام احد البيوت عساكر الشرطة التركية واقفين ز ولحسن الحظ فأن قافلة جمالنا كانت قد سبقتنا الى هناك قادمة عبر طريق آخر . وسرعان ما اقبل نحونا آمر الحامية التركية المقدم( يوسف جمال ) فرحب بي باللغة الفرنسية التي بدأ لي انه يتقنها اتقانا تاما, واصدر اوامره بأن تعد لنا حجرة مناسبة , اقمت فيها سريري الخشبي , ثم دعينا , بعد تلك الرحلة الشاقة التي واصلنا السفر اثناءها خلال اثنتي عشرة ساعة متواصلة , الى تناول طعام العشاء المكون من مرق على الطريقة التركية ومن طبيخ لحم الخراف .


28 يناير 1912م

ألقينا رحالنا ببلدة (يفرن) , حيث انتهزت الفرصة للتجول بصحبة المقدم (يوسف جمال) في القرى المجاورة التي بدت بين اشجار الزيتون العتيدة كأنها معلقة على قمم الجبال . ثم واصلنا جولتنا حتى وادي الرومية الذي سبق لنا وعبرناه الليلة الماضية , وهو وادي منحدر يبلغ طوله حوالي ثلاثة كيلومترات , واتساعه حوالي كيلومتر ونصف , ويتراوح عمقه ما بين ثلاثة واربعمائة متر . وتتوسطه آثار ساحة ومدرج روماني رصفت ارضيته بمدرجات متتالية , نمت فوقها الاعشاب احيانا وتخللتها اشجار الزيتون, فغطت هنا وهناك ارضيتها الكبريتية اللون ذات التصدعات الكثيرة.
وتطل ساحة المدرج الروماني تلك, من جهتها الشمالية , على سهل بوغيلان الخصيب الذي يمد مدينة طرابلس بما تحتاجه من الغلال والحبوب , والذي يمتد حتى ساحل البحر.
وقد اخبرني المقدم يوسف جمال انه كان موجودا بطرابلس حينما تعرضت لاول قصف بحري ايطالي . فقال:
-(( لقد ظل وضع الاتراك صعبا للغاية لمدة اسبوعين , فالليبييون كانوا يتهموننا بأننا قد بعنا طرابلس للايطاليين , وكانوا يرفضون الوقوف بجانبنا او تزويدنا بالمؤن والجمال . ولكن ما ان نجح الضباط العثمانيون في تنظيم اولى المناوشات مع العدو الايطالي حتى تغير راي الليبيين فينا وادركوا اننا لم نخن قضيتهم . واسرع الزعيم الليبي (الباروني) وبعض رجال الدين الى جمع المجاهدين , والى الدعوة الى المقاومة والجهاد ضد العدو المغتصب . فما لبثت مدينة طرابلس ان حققت عددا من الانتصارات الحربية التي شلت قدرة الايطاليين عن الحركة , فلم يتمكنوا من توسيع رقعة تقدمهم خارج حدود المدينة , بل وتمكن الاتراك من اقامة مراكزهم المتقدمة داخل مدينة طرابلس نفسها, في حين اختيرت منطقة (سوق الجمعة) , التي تبعد عن المدينة بمسافة اربعة كيلومترات , مركز لقيادة الجيش . وظللنا نقاوم دون ان نتزحزح عن مواقعنا طيلة اربعين يوما , لكننا اضطررنا في النهاية الى التقهقر الى بلدة العزيزية نتيجة لحصول عدونا عن طريق الامدادات البحرية على المزيد من العتاد والرجال , حيث خشينا من ان يتجه الى ضرب الحصار حول مواقعنا . بيد ان التحالف بين الليبيين والاتراك كان قد اصبح امرا مفروغا منه , ثم اجتاحت حمأة الدفاع عن الديار في هذه الحرب المقدسة كل الناس , حتى قبائل البادية البعيدة التي انضمت الينا من كل فج عميق . قادمة من الجبال ومن السهول , ان احوال الطرابلسيين كانت سيئة , والمجاعات تتوالى على بلادهم . ولذا فأن الجميع , حتى الاتراك والليبييون انفسهم , كانوا مدركين في البداية ان مقاومة المعتدي شبه مستحيلة من الناحية المادية).
ثم اضاف المقدم يوسف جمال:
- زد على ذلك ان الجيش والاسطول الايطاليين كانا في حالة مثلى من التنظيم والاعداد.
فكيف اذن تمت معجزة المقاومة وسط جميع العقبات , واعتمادا على القليل من العدد والعتاد؟... وكي ف نجحت هذه المقاومة في البداية من تحقيق بعض الانتصارات , بحيث ما لبثت ان اصبحت خطرا هائلا ما زال يتهدد الايطاليين ؟ ..هذا هو ما لايكاد يصدقه حتى المجاهدون انفسهم . محققو هذه الانتصارات , وهذا هو ما سأحاول ان ابحث له تفسيرا في رحلتي هذه عبر ليبيا .
ولاْعد الان الى الحديث عن بلدة يفرن واهلها . الذين قيل لي ان اسلافهم القدماء قد جاؤوا اصلا من بلاد الشام ايام الفتح الاسلامي لليبيا .. وهم ينتمون الى قبائل عرفت بالشجاعه واتقان فنون الحرب , واشتهر عنهم انهم قد تصدوا ببسالة لمقاومة السلطات التركية عندما عين ( مراد آغا ) في سنة 1551 م واليا على طرابلس الغرب . الامر الذي اضطر الاتراك الى قتالهم لمدة ثلاث سنوات كاملة , قبل ان يتمكنوا من اخضاعهم.
ويعود الفضل في حسم النزاعات التي كانت قائمة بين تلك القبائل وتوجيه طاقات رجالها لمقاومة الايطاليين , الى مجهودات الزعيم ( سليمان الباروني). نائب الجبل وزعيم طائفة النفوسيين.
ومدينة يفرن هي مركز لسنجق يضم (ككله) و(الحرابة)و( نالوت) و (غدامس) و( فساطو) , وقد ضمت اليها مؤخرا كل من (زوارة) و(الجوش).

دروب جبل نفوسه وانجعه

غريان في 2 فبراير 1912م

ودعنا الضباط الاتراك والاعيان الليبيون حتى خارج مدينة يفرن حوالي الساعة الثانية بعد ظهر التاسع والعشرين من يناير . واستمر ترحالنا طيلة اربع ساعات كنا نخترق خلالها مناطق امتلاءت بشجيرات الزيتون التي كانت تظلل حقولا من الشعير بدأ وكأنه سجادة من الخضرة الامتناهية , ثم لمحنا من خلال فتحة احد الوديان قرية بدت وكأنها معلقة على سفح الجبل في قباله هاوية شديدة الانحدار , كما مررنا بعدد من القرى الاخرى القائمة على قمم الجبال , وكانت جميعها خالية تقريبا من سكانها : فالرجال القادرون على حمل السلاح قد غادروها الى جبهة القتال. ولم يبق بها سوى النسوة وبعض الشيوخ والاطفال.
ان الجمال الذي يكسو هذه الطبيعة , كلما من الله عليها بالمطر , لكفيل بالهام قرائح الشعراء , واعتقد انها لو لم تمتحن بخمس سنوات عجاف تتالى عليها فيها القحط والجفاف , لحق لي ان اشبه اهلها , وانا امر بهم اليوم بأولئك الرعاة الذين حدثنا عنهم الشاعر اللاتيني (فرجيل ) في ملحمته الشهيرة المسماة (اغاني الرعاة) !...فلقد كنت اسأل كل من نلاقيه في طريقنا منهم:
-(( هل لديك شيء نبتاعه منك : شعير لخيولي , او لحم او خبز او خضراوات لنا؟)) .
وكانت الاجابة التقليدية دائما:
-لا شيء ! لاشي!
فالحرب والمجاعات قد اتت على كل شيء .
وتوقفنا في منطقة القصبات , حيث اقمت خيمتي وسط بضعة مساكن مهجورة , ولج الى داخلها النقيب التركي (شكيب بي ) الذي مايزال في رفقتنا , فقررنا ان نقضي ليلتنا فيها , وكان المسكن الذي اختاره شبيها بالعرين. لا يستطيع المرء الدخول اليه الا زاحفا على يديه وركبتيه . ففرشنا ارضيته ببعض الابسطة وجلود الغزلان ووسائد الجلد المجلوبة من غدامس وغات , ثم اشعل رفقائي نارا وطفقوا يعدون الشاي , وهكذا فقد تحول ذلك المسكن الشبيه بالكهف او بجحر حيوان متوحش , فجأة , الى مأوى مريح ودافيء . ومليء بالحركة يشعر المرء داخله انه قد صار في مأمن من الرياح العاتية والبرد القارص اللذين يتعرض لهما كل من قرر البقاء في العراء في تلك الليلة.
وكنا نجلس القرفصاء . حانين ظهورنا تحت صخرة ناتئة في سقف الكهف , وضعت فوقها سروج مهورنا (الطوارقية ) . فبدت مماسكها الصلبانية الشكل , بقرابيسها المقوسة كأنعش قديسين , خيل الى اننا كنا راكعين تحتها على ذلك النحو .
وتقدم (شكيب بي ) فأعد لنا كعادته طبيخا مفلفلا يحرق مذاقه الشفاه واللسان والحلقوم والامعاء . وهو الطبيخ الذي يدفع عليه آكله الضريبة مرتين: مرة عند اكله ومرة عند التخلص من فضلاته في المرحاض . !! وعندما لاحظ شكيب بي صانع ذلك الطبيخ , مدى ما كنت اقاسيه وانا اتناوله , قال لي :
- يقول المثل الليبي : اسأل مجرب ولا تسأل طبيب , فصدقني ان الفلفل في هذا البلد يعد الدواء الشافي لكل الامراض !..
فتذكرت ما قاله (فينيليون ) في كتابه "" تربية الفتيات"" بصدد هذا الصنف من الطعام المفلفل الحاذق , ومدى ما يتأتى عنه , في راي ذلك الكاتب , من اخطار واضرار , خصوصا بالنسبة للفتيات العذارى و حيث يهيج شهوتهن الجنسية مما قد يتسبب في زلل اقدامهن الى الخطئية ونحو ما لا يستحب لامثالهن من الفضيلة والعفة.ولكن حيث ان بلدة (القصبات ) خالية الآن من اهلها , فلا اثر اذن هنا لعذراوات محصنات يكون تذوق هذا الطبيخ خطرا على عفتهن . اذ انني لم المح في هذه البقعة الخالية أي اثر لانثى . اللهم الا تلك العجوز الطاعنة في السن التي اكاد اسمع وقع خطاها ... واعني بها الحرب ! ولقد اعجبت بالنقيب شكيب بي , وهو غارق في اعداد طبيخه , فهو يقوم مرة بتحريك مغرفة القدر , واخرى باضرام النار تحته نافخا لهبها بفمه ...وهو يفعل كل ذلك بتفنن لا يضاهيه فيه احد من الحاضرين...
وكان الجمالان المرافقان لنا في حركة دائبة : يدخلان الكهف ثم يخرجان منه , ثم يدخلانه من جديد , ويجلسان القرفصاء , وهكذا , وبرنساهم الابيضان ناتئان فوق راسيهما .. في حين امتزجت وجوههم السوداء بظلمة الكهف فلم يعد يلمع منها سوى عيونهم المتحركة ببطء . اما ايديهم فلا ترى الا لاْن لهب النار يلمع بين اصابعها المتباعدة. اما اثوابهم فانها منسدلة فوق ركبهم , مما يذكرني بتمثال (الكاتب ) الفرعوني الجالس القرفصاء . وكانا يرفعان ثيابهم احيانا كي تمر من تحتها لفحة من حرارة النار . ثم يسدلانها باحكام من جديد حتى لايتبدد الهواء الساخن. وما ان انتهوا من الاكل وشرب الشاي حتى طفقوا يتحدثون : انهم من قبيلة الطوارق القاطنة في اقصى الجنوب الجزائري , وهي القبيلة التي اتهمت بأغتيال الكونونيل الفرنسي (بول فلاتير ) في سنة 1881 م, عندما كان يمر بمنطقتهم اثناء رحلته الاستكشافية الثانية عبر افريقيا , حيث ارادت السلطات الفرنسية في الجزائر ان تقتص من تلك القبيلة. فاضطرت هذه الى الهجرة الى طرابلس حيث استوطنت من ثم قرب (غات) . وكان حديث هؤلاء الجمالين (الطوارق ) يدور في تلك الجلسة حول ما قاموا به من رحلات سابقة , وكيف كانوا يعبرون دائما طرقا ودروبا وعرة كتلك التي سلكناها اليوم , حيث تتعرض جمالهم للتعب والارهاق ويتعرضون هم للبرد الشديد , وكان اسم ( جبال تاسيلي ) يتردد في حديثهم بأستمرار قائلين بسذاجة :
- ان تلك الجبال لابد وان تكون في الاصل صخورا عصت طاعة الله , اذ لايتصور ان تكون من خلقه , بل من خلق الجن والعفاريت.
وقد ذكرتهم بأن القران , على العكس من ذلك , يوجه نظر الناس الى امثال تلك الجبال الرواسي والى الابل لكي يتأملوها كدليل طبيعي على خلق الله للعالم. فلم يجدوا ما يردون به علي .
وكانت نارنا موقدة امام الكهف قد عكست ضوءها في تلك اللحظة على شبح احد جمالنا الراقدة في العراء . فأمعنت النظر اليه متمددا كثعبان هائل الذي له راس امراءة عجوز. وقد اكتسبت نظرته الحزينة مسحة التسليم بارادة الله الذي كتب عليه ان يقضي حياته هائما في الصحراء , فآمنت حقا بأن ذلك الحيوان انما هو آية تجسد عظمة الله الخالقة, ثم تقدمت فمررت بذلك الجمل بعد انتهاء سمرنا , فخيل الى انه قد شم رائحتي وعرف انني (كافر) اذ انه نخر بمشفره في اتجاهي بشدة تعبيرا عن تقززه مني.
ولست ادري ما اذا كانت هذه الاحداث وهذه الخواطر التي ارويها , وهذه الاوصاف التي اتناول بها ما يدور حولي ستسلي قرائي , اذ ان الكتب الغربية التي تناولت الشرق مليئة كلها بأمثال هذه الطرائف التي ارويها , وربما يكون في تكراري لها ما يبعث الضجر في نفوس البعض , وع ذلك فأنني , وانا احررها , تبدو لي وقد احتوت على تشويق وجدة خالدتين . اذ ان بها نفحة من شاعرية الصحراء التي حدثني عنها شكيب بي الذي امضى في الصحراء اثنتي عشرة سنة , وبالرغم من انني لا اتفاهم معه الا بصعوبة , حيث نستعين في تخاطبنا بكلمات مبعثرة . وغالبا بالاشارات , الا انني قد كنت افهم من احاديثه على الاقل , انه قد تشرب حب الصحراء في اعماقه , وتذكرت مطالعاتي الكثيرة في الادب والشعر العربيين , خصوصا مطالعاتي للمعلقات السبع , الملئية بالصور البيانية والتشبيهات الرائعة عن الصحراء , وتذكرت ايضا تلك التأملات الاخلاقية والعاطفية التي استلهمها الشعراء الفارسيون وهم يسرحون الطرف في الطبيعة الصحراوية العارية التي تملاء النفس بتأملات باطنية عميقة و وتجعل الروح تحلق هائمة في حلم صوفي فتفعمها بضرب من الرضى والحبور النفسي الذي يعجز الغربيون بطبيعتهم عادة عن التلذذ او الاستغراق في التأملات التي يولده في نفس الشرقي . وبلاد الشرق لا تسحر النفس فحسب , بل وتسحر النظر والسمع ايضا . اذ ان للزخارف الهندسية الجميلة التي تحلي خيام البادية سحرها الخاص , واغاني البدو الجافة جفاف صحرائهم لها وقعها المميز.
ما ان يتجاوز المسافر بلدة (القصيبات) حتى يلحظ اختفاء اشجار الزيتون . وتتحول الارض الى سلسلة مرتفعات وهضاب عارية الا من الصخور التي ينمو بينها نبات (الديس ) الذي تتغذى عليه الجمال , ونبات (الزعتر ) الذي يحبه حصاني . وطفقت اثناء ترحالنا اتجاذب اطراف الحديث مع مرشد قافلتنا (عمر ) و فسألته عما اذا كان على استعداد لمرافقتي والعمل في خدمتي حتى بعد ان نصل الى بلدة العزيزية ؟ فقال لي بأنه يتمنى ذلك , ولكن والده الذي ينتظر هناك يريد ان يعود به الى (نالوت) . وقال له ترجماني (العلمي عليش ) متفكها :
- اسمع يا عمر !.. ان انت قبلت مواصلة العمل في خدمتنا فأننا عندما ننتهي من مهمتنا في ليبيا سنعود بك الى مدينة تونس .. وسوف نشتري لك بدلة افرنجية وطاقية حمراء محلاة ب(شنوارة ) حرير جميلة .. وستتخلص من ملابسك الرثة التي لا تكاد تستر عورتك ...وسوف لن تعود نحيفا مثلما انت الآن , اذ ستتناول بأستمرار طعام (الكسكسي ) و(البازين ) والشكشوكة التونسية , وغيرها من الاكلات الدسمة حتى يطلق عليك اسم ( عمر بوكرش ) , من شدة البدانة وكبر البطن !!ز
فأعجبه هذا الكلام كثيرا وطفق يضحك , ثم رد عليه قائلا :
- ولكن مالذي سيقوله عني الناس في قبيلتي , عندما اعود اليهم , وقد اصبحت بملابسي الغريبة كالقرد !!!.
فرد عليه المترجم قائلا:
- اذن انت تعتبرنا بلباسنا الافرنجي كالقرود في نظرك ؟.
فأجاب :
-طبعا!!.
وذكرتني هذه المحادثة بقصة الفتاة البدوية التي زوجوها للسلطان هارون الرشيد , فكانت تتباكي على ايامها الغابرة , عندما كانت تعيش تحت خيمة سوداء , وتردد كلما انفردت بنفسها كلمات اغنية تقول ان فارسا بدويا نحيفا ورشيقا خير من سلطان بدين , وان اكل خبز الشعير من نجعها للألذ طعما من ولائم القصر , وانها تفضل على موسيقى جوقات بغداد ومطربيها نباح كلب صغير يصدح بنباحه تحت ضوء القمر لطرد اللصوص . فاشفق السلطان على حالها في النهاية واخلى سبيلها , فعادت الى نجع اهلها في الصحراء كما كانت تتمنى (1).
وكنا ونحن نمر ببعض الوديان نلمح بعض الزهور التي بدأت تنمو في قيعانها , وكان حادي قافلتنا يتغنى في احدى اهازيجه بالربيع . في حين كان احد الاتراك المرافقين لما يردد من جانبه كلمات احدى اناشيد جماعة تركيا الفتاة قائلا بتنغيم (تحيا الحرية .. تحيا المساواة ... تحيا الاخوة ).
والتقينا في طريقنا بقافلة من مائتين وخمسين جملا و استولت عليها شرطة غريان وساقتها في اتجاه يفرن لاستجلاب الشعير والدقيق الى غريان , وكان يسوقها جماعة من الليبيين المسلحين ببنادق طويلة , القوا الينا التحية ثم مضوا في سبيلهم .
ثم مررنا بشجرة بطوم نمت في سفح الجبل وحيدة بين الصخور وقد انسدلت فروعها واغصانها على قبر احد المرابطين الذي نصبت فوقه بعض الاعلام والرايات ... وسألت مرافقي عن هذا الولي الصالح الذي دفن هناك بعيد عن كل عمران ؟ قائلا في نفسي من هو يا ترى ذلك ال (شاتوبريان)الطرابلسي الذي خطرت له فكرة اقامة هذا الضريح وسط الصحراء المقفرة.. وردوا على قائلين :( انه بني آدم , وحين يموت البني آدم فاننا ندفنه في البقعة التي مات بها ) . وبدا عليهم انهم يتساءلون في دخيلة انفسهم متعجبين من استفهامي ولسان حالهم يقول :وما شأن هذا (الرومي ) الغبي بمعرفة اسم احد المرابطين !
ولحقت بنا في طريقنا امراءة طاعنة في السن ترتدي ثيابا حمراء مهلهلة وتحمل فوق ظهرها كل ما تمتلكه من متاع الدنيا , ويبدو انخا قررت اللحاق بقافلتنا خوفا من السفر وحدها عبر تلك الاقفار . وظلت تسير خلفنا بأقدام حافية مدة عشر ساعات دون ان تتناول شيئا . وحين توقفنا للراحة استلقت على الارض بجانب عفشها , وما ان استأنفنا سفرنا حتى نهضت وظلت تعدو وراءنا . وقد تفضلنا عليها بعد ذلك ببعض الاكل رغم قلته لدينا.
وعندما اقبل المساء توقفنا لقضاء الليل , حيث بدت في الافق بوادر عاصفة مقبلة , وعند منتصف الليل اشتد هبوب الرياح التي كادت ان تقتلع خيمتي . ثم اخذت الامطار تهطل و واخذ رفاقي يرتعشون من شدة البرد الذي جعل اسنانهم تطقطق . وفي اليوم التالي ,31 يناير , لم نتمكن من الرحيل الا حوالي الساعة العاشرة صباحا , حيث رثيت لحال العجوز المتعبة فاذنت لها بالصعود فوق ظهر احد جمالي .
وكان البرد قارصا يوم الاول من فبراير . ومررنا بجانب لآثار قصور مهدمة قيل لي انها تسمى قصور سبيعة وقصور عمر , وشئيا فشئيا اخذت الوديان تبدو امامنا خضراء مليئة بأشجار الزيتون الضخمة وبالزرع . فذكرني ذلك بمنظر بعض الارياف الاوروبية , وظلت الرياح تعصف فبدت الاشجار محدودبة .
ثم اخذنا نتخترق منطقة بها عدة قرى كانت مبانيها من الكهوف التي نما فوقها العشب , وهي كهوف فغرت فوهاتها في الارض , والتي يمكن لمن ينظر خلال فتحاتها ان يرى حجراتها التي تشبه الآبار العميقة ذات الجدران الدائرية او المربعة المفضية الى ساحة تطل عليها فتحات عدد من تلك المساكن الكهفية.
ولكل منها من الخارج باب كبير مرتكز على قنطرتين ويفضي الى ممر مقوس يوصل بين الحجرات والمخازن والاسطبل الخاص بالبهائم . وشاهدنا بعض الجمال تجتاز فتحات الكهوف الى الخارج كأن الارض تنشق عنها .
وهكذا فأن القادم الى (غريان) التي يبلغ تعداد سكانها حوالي عشرين الف نسمة , لايرى عن بعد اية منازل , فيما عدا بضعة اكواخ مبعثرة حول سوق المدينة وقصرها العالي المطل على ذلك المشهد الكئيب . وفيما عدا ذلك لم اشهد سوى الرمال وصفائح الصخور المسطحة التي امتدت على شبه امواج متحجرة لا متناهية ..وكانت الجبال السوداء تلقي بظلالها عليها , والرياح تكسوها بحبات الحصي الدقيقة وبالرمال والغبار الذي عفر الجو وملاْ السماء والمشهد كله بلون اصفر كلون الكبريت ...


الفصل الثالث
غــــــــــــريان
استقبلني عند وصولي الى غريان المقدم (فتحي بي ) الذي كان في السابق يشغل منصب الملحق العسكر ي للسفارة العثمانية في باريس . والذي برهن منذ بداية هذه الحرب , على مايتمتع به من دور تنظيمي حربي ومن شجاعة في الجهاد . وقد احاطني برعايته وضيافته . كما يفعل الصديق الودود , الى درجة خيل الي معها انني قد استغليت تلك الصداقة اكثر مما يجب .
والحقيقة أن الضباط الاتراك كانوا يقابلونني بمثل هذا الترحاب والاستقبال الحسن منذ ان وطئت قدمي ارض طرابلس . ولكن كان هنا لضيافتهم في غريان طابع خاص . وفي المساء , بعد تنازل طعام العشاء , نتذوق الحلويات وصنوف (الملبس ) التي كان قد حملني اياها اليه اصدقاؤه الذين كنت قد اجتمعت بهم في القسطنطينية قبل مجيئي الى ليبيا .. واستغرقنا الحديث وسرد الذكريات والتدخين و فنسيت تماما اننا كنا نتسامر في تلك الليلة في قصر (غريان) الموحش . فخيل الى ان (فتحي بي ) قد دعني الى مسكنه في باريس , كعادته , ايام ان كان ملحقا عسكريا لبلاده بها . ولكنني عندما حانت ساعة ذهابي الى الحجرة التي سأنام فيها والتي تشبه الزنزانة , وعبرت ساحة القصر اليها – وكنت ما أزال مستغرقا في وهمي بأنني في احد شوارع باريس الواسعة , اذ أنه بدلا من ان تستقبلني اضواؤها وصخب سياراتها وعرباتها , استقبلتني الرياح التي كانت تكنس ساحة القصر بعنف وتهز جدرانه المتداعية .
ولقد سبق لي وان ذكرت ان قافلتنا قد عهد اليها منذ دخولنا الى الحدود الليبية بنقل حملين ضخمين يحويان ملابس ومؤنا مرسلة الى الاسرى الايطاليين في مدينة (غريان ) ز وكان العقيد (نشأت بي ) , القائد العام للقوات العثمانية في طرابلس , والذي اشتهر بالشجاعة والطيبة المتناهية , قد اصدر الاوامر بنفسه بأن تصل تلك الطرود الى الاسرى الايطاليين سالمة , كما امر ايضا بتأجير جمل على نفقة الحكومة التركية لنقلها اليهم . وكان الملازم الفرنسي (بوفيه) ومعاونه (بيليه ) . رئيس نقطة حدود (ذهيبة ) التونسية قد تكفل من جانبه بتأمين ادخال تلك الطرود من تونس الى اول نقطة حدود طرابلسية , وعلى ذكر الملازم (بوفيه) ومعاونه (بيليه ) , فأنه لايسعني الا ان اعبر لهما عن بالغ امتناني واعترافي لهما بالجميل الذي تجشماه من متاعب في تدبير امدادي في رحلتي هذه بالمؤن وايصال ما يرد الي من مراسلات وانا داخل ليبيا . وكان النقيب التركي (شكيب بي ) الذي سيظل في رفقتي حتى بلدة (العزيزية ) و هو الذي اجر الجمل الذي يحمل طرود الاسرى , وهو الجمل الذي اطلقنا عليه اثنا رحلتنا اسم ( جمل الطليان ) , وها نحن قد اوصلنا ذلك الجمل الى غريان .
وهكذا فقد كنا كأصحاب البريد نحمل معنا تلك الهدايا مخترقين بها دروب الجبال الوعرة متحملين هبوب الرياح والمطر التي كانت تكتسحنا كلما صعدنا الجبال والمرتفعات , وحرارة الشمس المحرقة التي كانت تنالنا كلما اخترقنا عراء صحراويا , ولذا فأن القمصان والفانلات وعلب الشكلاته والسجائر التي ارسلت معنا قد وصلت الى غريان سالمة . فاثلج صدري ان اسهم في هذا العمل من اجل اسرى الحرب .
وحين ذهبت بعد ذلك لمقابلة اولئك الاسرى الايطاليين , سمح لي بالتحدث معهم بالايطالية بكل حرية , فكان اول اسئلتي اليهم :
- هل تعاملون معاملة حسنة ؟.
فردوا قائلين : - نعم .. بل ان الاطباء هنا مستمرون في علاجنا بكل همة واخلاص وبالرغم من اننا حين وقعنا في الاسر خفنا خوفا شديدا . ولكن الضباط والاطباء الاتراك وحتى الليبيين انفسهم , عاملونا منذ البداية معاملة حسنة وانسانية وبشهامة نادرة .
والقراء يعرفون ان العقيد (نشأت بي ) الذي يعرف مدى استبسال البادية الليبيون في القتال , كان قد وعد كل من يأتي اليه بأسير ايطالي أن يمنحه خمس ليرات . وفي اثناء حديثي مع بعض الاسرى , كان ترجماني الجزائري يتحدث من جانبه مع الآخرين فهو يتقن الايطالية ايضا . واخذت اتفرس في وجوه الايطاليين وامتحن نبرات اصواتهم لمعرفة ما اذا كان ما يروونه عن حسن معاملة الليبيين والاتراك لهم حقيقي وغير مبالغ فيه , ام انهم يخفون عني حقيقة اخرى اضطرارا وخوفا من سجانيهم الحاضرين , لكنني مالبثت ان اقتنعت بأنهم لم يشهدوا امامي سوى بالحقيقة , وبأنه لا وجود لاْي ضغط عليهم او تهديد مسبق لهم يدفعهم الى الكذب والمبالغة . والواقع انه كان يكفيني النظر الى وجوه اطبائهم الحاضرين والتي كانت تنم عن الطيبة , وهما طبيبان تركيان اسم اولهما ( الدكتور يوسف زيا ) واسم الثاني ( الدتور رفعت ) , وقد اخبراني بأنهما كانا قد امضيا فترة تدريب تطبيقية , بعد تخرجهما من كلية الطب , بباريس قضاها اولهما بمستشفى ( كوشان ) وثانيهما بمستشفى ( فال – دي – غراس ).
وحدثني هؤلاء الاسرى انهم قد تعودوا الآن على اكل (الزميته) الليبية و(البازين ) المفلفل , وطلبوا مني ان انقل الى اسرهم في ايطاليا , عن طريق ما ساكتبه عنهم في مجلتي , تحياتهم وان اذكر أنهم يعاملون معاملة حسنة وأن اذكر ان الليبيين والاتراك لا يتعرضون لاسراهم بأي اذى ز فودعتهم متمنيا لهم ان يرجعوا لبلادهم وان يعود السلام الى هذه الارض بأسرع وقت.
ولكن هل السلام ان يفرد جناحيه فوق ليبيا ببساطة و وقد فرضت عليها الحرب ؟ .. وهي البلد الذي قررت المجيء اليه في هذه الضروف , لم اكن اسمع سوى من يقول لي :
- انك لن تتمكن من النحدث مع احد من المسئولين , فالجميع قد ذهبوا للاسهام في الحرب ضد عدوهم ..ولن تجد المدن والقرى التي يتعبرها سوى النساء والشيوخ والاطفال ... بل حتى هؤلاء القصر لقادرون على حمل السلاح والجهاد ضد ايطاليا ان هي تقدمت لغزو الدواخل .
وما زلت اذكر ما قاله لي قائم مقام (فساطو ) السيد ( عمر العربي بي ) , والذي جرح في فخذه بضربة سيف :
- ( نحن الليبيين كلنا اهل حرب و وانا نفسي قد خضت المعارك اكثر من عشرين مرة , وما ازال اتأهب للعودة اليها مرة اخرى للجهاد في ( العزيزية ) ضد اعدائنا .. وهل ترى ذلك الجندي الذي كلفته بحراستك ؟ .. انه ابني , وعندي غيره خمسة عشر ولدا آخرين انخرط كبارهم في الجيش كضباط او كجنود , والصغار اخذوا يتدربون على حمل السلاح منذ الآن).
كنا قبل وصولنا الى غريان قد اخترقنا واديا خصبا هطلت فيه الامطار مؤخرا , فنما فيه الزرع وكسته اشجار الزيتون التي عمرت عشرات السنين وظلت جاثمة في الوادي وقورة خالدة لا تتزحزح . وتأملت هاماتها التي بدت عليها سيماء الصمود والصبر على معاناة عواتي الدهور , فأدركت مدى ما بذلته تلك الاشجار من جهد لكي تنمو في هذه الارض شبه القاحلة . وقبل ان تونع اغصانها الخضراء المحملة بحبات الزيتون .... حبات الحكمة والسلام!
ويتحول امتداد جبل غريان فجاءة الى منظدة حجرية . حيث مرقنا بداوابنا عبر احد ثلماتها وبدانا نسير خلال درب اجتزناه وقد قبضنا على الجمة خيولنا قافزين بها من صخر ة الى صخرة . فبدونا كشياطين كانت تغادر قماقمها تارة وتعود اليها تارة , وها نحن نخترث وادي بوغيلان الذي احرقت الشمس سهوله التي بدت وكأنها قد امتزجت بالبحر والسماء , وقد ترامت في بطنها انجع ومعسكرات المجاهدين الليبيين وخيام العسكر الاتراك.
وقد كان من المعتقد في البداية ان فلول المقاومة الليبية لن تتمكن من الانتظام الا فيما وراء هذه المضائق الملائمة لحرب العصابات . ولكن نظرا لفشل الايطاليين في التقدم الى الدواخل , فأن الجيوش الليبية والتركية قد ظلت معسكرة قرب مدينة طرابلس نفسها, وابت ان تتخلى عن حماية مرابض القبائل الموجودة في السهل .
اننا الان على بعد سبعين كيلومترا عن البحر . وكان الناس هنا يلمحون احيانا اسرابا بعض الطائرات الايطالية التي جازفت بالتحليق فوق هذه المناطق الوعرة, فظن بعضهم من بسطاء الناس الذين لم يروا في حياتهم طائرة واحدة انها طيور سوداء ارسلها (سيدي عبدالسلام الاسمر )لزيارتهم في تلك الايام العصيبة التي تتعرض لها بلادهم , وقد ذكر لي البدو الذين كانوا يرافقوننا انه يروى عن هذا الولي الصالح انه قال ذات مرة :
( انني ارى فتيات طرابلس يهرولن حافيات الاقدام للاحتماء في وادي غيلان وها هي رؤياه تتحقق , وستتحقق بقيتها ايضا اذ انه قد قال ان الطرابلسيين سيهزمون في البداية ثم لن يلبثوا في النهاية ان ينتصروا على اعدائهم في الوادي نفسه , وان ذلك سيكون ايذانا باْشراقة فجر الاسلام من جديد على هذه الارض.

الفصل الرابع
بلدة العزيزية والمعسكرات التركية الليبية


فبراير 1912 م
تربض بيوت بلدة العزيزية في السهل بين رمال الصحراء التي انتفت عنها في هذا الفصل من السنة كل كآبة ووحشة اذ نمت بها آكام نبات البروق التي كانت زهورها العالية تمس صدور خيولنا من شدة طول سيقانها , فقد كانت الارض كأنها مفروشة بسجادة تناسقت فيها الالوان , وقد احتفظت كل زهرة وكل باقة او ساق نبات بلونها وشكلها المتميز عن غيرها , وكانت هناك بضع خيام تابعة للهلال الاحمر رابضة فوق ربوة قائمة قرب قبة ضريح مرابط . وشاهدت في وسط السهل احد انجع البادية وسوقا موسمية مليئة بالحركة . وكانت جماعات الضباط في حركة دائبة في المعسكر . وكان اول الضباط الذين اتصلت بهم هو المقدم نشأت بي القائد العام للجيش بنفسه , والذي يطلق عليه الليبيون العريض لجسامته وعرض كتفيه . وكان رجلا واسع الخطى , مهيب الطلعة , يرتسم على محياه تعبير ينم على الهدؤ واستقامة الخلق وطيبة في آن واحد .
واجلت نظري في من حولي , فلم اشهد من العساكر النظاميين سوى عدد قليل لا يعتد به , فلم ار مدافع ميدان , وانما بعض البدو المسلحين ببنادق بوصوانة الردئية او بالسيوف والطبنجات القديمة ولا شيئ غير ذلك ....وسألت نفسي منبهرا:! يالهي ! هل هذه هي الاسلحة التي يتصدى بها هؤلاء القوم للايطاليين المدججين بأحدث الاسلحة حتى اوقفوا تقدمهم ؟ نعم. لقد قيل لي قبل مجييء الى هنا : لسوف ترى بأم عينيك ما لن تصدقه! وها أنذأ قد رايت بنفسي حقيقة هؤلاء المجاهدين ...فآمنت بأن الواقع يفوق الوصف ..
ثم شاهدت قوافل تصل تباعا, محملة بالشعير والتمر وبالذخيرة, وقد اخذت في التجمع قرب المعسكر جماهير غفيرة من الناس الفقراء الذين لم يعد يجد الكثير منهم ما يقتات به , فوقفوا طالبين الصدقة من المارين.. ولقد رايت اناسا وجوههم لم يعد فيها من الحياة سوى حركة اعينهم في محاجرها وافواههم الفاغرة من شدة الجوع . وعندما فتحت ابواب المعسكر لتزويد اولئك البائسين بوجبة اكلهم اليومية , اندفعت نحوها جموع من الاشباح والهياكل العظمية المتحركة التي يستحيل على قلم كاتب مهما كانت قدرته على التعبير والوصف , ويستحيل على ريشة الفنان مهما كانت عبقريتها في الرسم – ان تصف مشاهدهم الذي يحز في النفوس .
وكل مساء كان يصل المزيد والمزيد من فرق المجاهدين الذين يخترقون في هدوء وصمت سهل العزيزية المتوهج الذي احاط به جدار ازرق من الجبال التي حجبت الافق , وكأني بهم في صمتهم وحذرهم يخشون ايقاظ ازهار الجبنة الصفراء ونوار البروق التي استنامت في حضن ذلك السهل الغاص بالمجاهدين . كان اولئك المجاهدين قد جاؤوا مرورا بمدينة غريان التي كانت آخر مكان استراحوا فيه قبل ان ينحدروا الى هنا . ثم تنتظم صفوف المجاهدين على بعد بضعة كيلومترات من بلدة العزيزية يتوسطهم اثنان من ضاربي طبول الحرب , يدقانه بالتناوب . فتتقدم خلفهم الصفوف في موجات متتالية . مطلقة صيحات الحرب المجلجلة , رافعة اسلحتها الى عنان السماء , وكان الخيالة يتقدمونهم فوق صهوات جيادهم المطهمة , ويلحق بها المشاة جريا او ركضا من آن لآخر . فيحيطون بأولئك الخيالة قافزين راقصين حولهم. وخلف هؤلاء تتلو صفوف راكبي الجمال . وكانت تلك الصفوف تتقدم متراصة متدافعة . والشمس خلفها , فكانت تبدو كجدار اسود متحرك, اذ ان ضوء الشمس لم يكن ينعكس الا على قمم برانسهم المتمتوجة في جذ ل . وكان المجاهدون اثناء تقدمهم يجتثون الشجيرات الجافة التي يمرون بها في طريقهم للاستفادة بجذوعها اليابسة في ايقاد النار كلما توقفوا للاكل والراحة.فبدا لي ذلك الجمع الغير عن بعد كغابة متحركة , زذكرني بتقدم جيش الخلاص في مسرحية ماكبث الشكسبيرية الدرامية الشهيرة.
وصحبني في مساء احد الايام الضابط فرحات بي لاستقبال من قدم من (قبيلة اولاد بوسيف ) من المجاهدين القادمين من جبلهم الواقع في اتجاه فزان . وعندما التقينا بهم وقع حادث غير متوقع : اذ ان فرحات بي طلب من اولاد بوسيف الذين كان عددهم يتراوح ما بين اربعمائة الى خمسمائة فارس , ان ينتظموا في صفوف عرضية يتكون كل صف منها من اربعة افراد. وذلك قبل الدخول الى القرية التي كان بها المعسكر , وهكذا فأنه ترجل من فوق حصانه وأخذ يصفهم على ذلك النحو, وهنا صاح احد مشايخهم فجأة :
( من هو الذي سمح لنفسه بالتطاول لتنظيم صفوفنا وتغيير عاداتنا في السير ؟).
وهنا ما كان من اتباعه الا ان عصوا فورا اوامر الضباط ورفضوا الا ان يسيروا في صف واحد في موجات متتالية كما جاؤوا .. فغضب فرحات بي غصبا شديدا وصرح قائلا بأنه هو القائد هنا . وان المجاهدين الجدد ان كانوا يرفضون الالتزام بأوامره , فما عليهم الا العودة من حيث اتوا.
وعلا الصخب والجدل , ثم مالبث سؤ التفاهم ان زال فجأة . اذ اكتشفنا ان عصيانهم المبدئي نجم عن انه كان قد تناهى الى اسماعهم , قبيل قدومهم , ان مراسل جريدة اجنبية يرغب في التقاط صورة جماعية لهم , ظانين ان فرحات بي هو نفسه ذلك المراسل الاجنبي –أي انا – مما اغضبهم فرفضوا والحالة تلك ان يطيعوا اوامره . ولكن ما ان زال سؤ التفاهم . حتى اعتذر كل من الطرفين للاخر و\خل جيش اولاد بوسيف الى العزيزية عند غسق النهار مكرما.في حين ان الاشياء في النهار تبدو وكأن النور الشديد قد ابتلعها , الا انه في ساعات الغسق هذه يعود للالوان تمايزها , فيصبح للظلال اهميتها الخاصة , وتتجسد هيئات الاشياء وتتمايز فتبدو جميلة رائعة . غير ان قمة الروعة والجمال تتمثل في وجوه المجاهدين الذين كنت المح هاماتهم في تلك اللحظة يتطلعون من فوق الجدران ومن الشرفات ومن بين قباب المسجد , ناظرين الى الشمس وهي تؤذن بالمغيب , وقد اضاءت شعاعاتها الاخيرة سماء الشرق . فذكرتني هامات اولئك الرجال , التي لم اعد اتبين ملامحها بوضوح , بتلك التماثيل التي يشاهدها المرء رابضة في اطراف واجهات الكنائس التي بنيت في القرن السابع عشر .
واليكم بعض التفاصيل الجديدة عن الكيفية التي نظمت بها المقاومة الليبية- التركية منذ بداية هذه الحرب :
فعندما نزل الايطاليون الى شواطئ مدينة طرابلس في يوم الرابع من اكتوبر , ولم يجدوا امامهم سوى مقاومة ضعيفة من قبل القوات التركية التي كان قد سبق للقسم الاكبر منها ان رحل الى اليمن , اعتقدوا , واعتقد معهم الراي العام في اوروبا كلها , ان الحرب ستنتهي بعد بضعة ايام , فقد احتل الالف ومائتا بحار ايطالي اطراف المدينة الشمالية وتمكنوا في البداية من دحر هجمات الاتراك المتخاذلة.
وقد نوه من بعد بشجاعة وروح مبادرة بعض الضباط الاتراك الذين حاولوا التصدي لذلك الهجوم , وبالرغم من عدد جنودهم القليل والصعوبات التموينية التى لاقوها وافتقارهم للمال , وبرغم ارتباك الراي العام المحلي في البداية , الا انهم سرعان ما تمكنوا من سد الطريق امام فلول الجيش الايطالي المتقدم , والذي كان مدججا بأحدث الاسلحة , والذي ما يزال يقوم بالهجو تلو الهجوم , طيلة اربعة اشهر , دون ان يتمكن من احتلال مواقع حربية هامة. اذ ان عين زارة التي تتحص بها الان المراكز المتقدمة للجيش الايطالي , لا تبعد في الحقيقة عن ميناء طرابلس الا مسافة ثمانية كيلومترات .
ولقد تحدثت الصحف الاوروبية عندنا عن اسهام الليبيين انفسهم في صد هجومات الايطاليين عن بلادهم . غير ان تلك الصحف لم تعط الليبيين حقهم كاملا او تتوسع بتجرد في ذكر تفاصيل مقاومتهم تلك. مكتفية بالقول بأن الليبيين –في راي تلك الصحف – ليست سوى قوة فوضوية ,قد تكون قادرة على دخول المعركة بعنجهية وبأندفاع اعمى , ولكنها تفتقر مع ذلك الى حسابات تكتيكية مدروسة وروية وطول نفس .
وانا اقول لاصحاب هذا الراي المتفشي في صحافتنا الغربية , انهم مخطئون فيما ذهبوا اليه . فبضل حمية الرجال وطاقتهم القتالية واجماعهم على الجهاد , وبفضل النشاط الذي لايفتر لدى مجاهدين افذاذ من امثال نائب طرابلس فرحات بي ونائب جبل نفوسه الزعيم سليمان الباروني فقد صارت قوة هؤلاء الليبيين تتميز رويدا رويدا بالالتزام بالنظام في القتال , وصاروا قادرين على ممارسة حرب تختلف عن حروب القبائل السجالية التي يعتقد الاجانب انهم لا يقدرون على خوض حرب تخالف نمطها , زد على ذلك ان الليبيين هم قوم سريعوا الحركة , متعودون على طبيعة بلادهم , قادرون على التنقل عبرها بسهولة , اثناء حرارة الصيف , وعبر التلال الرملية الملتهبة وقسوة المناخ , ونقص المأكل والمياه, وهاهم اليوم قد تلقوا السلاح والعتاد . وارتفعت معنوياتهم القتالية , التي زاد من اوارها وحمأتها المشاعر الدينية والوطنية , فصاروا قوة لايمكن تجاهلها في هذه الحرب .
ولم يكن للتفاهم والتآخي ان يتما بين الليبيين والاتراك ببساطة , اذ ان الليبيين حينما راوا مدينة طرابلس قد تخلى عنها الاتراك سيطرت عليهم الفكرة التالية : ( ان الاتراك قد خانوا قضيتنا , فهم لايهمهم امرنا وضياع بلادنا البعيدة جغرافيا عن تركيا ولا تعود عليها بأي نفع , فما كان منهم الا ان باعونا للكفار .) .
زد على ذلك ان الايطاليين , كانوا قبل اقدامهم على فعلتهم هذه, قد بثوا دعاياتهم الكاذبة والمخادعه بين الراي العام الطرابلسي , بل وفي الراي العام الاوروبي نفسه . ثم اقتنصوا الفرصة حينما سنحت لهم بالهجوم , والواقع انني لا اعرف جريمة اعد لها ولاتبت تدابيرها ورسمت خطواتها ايطاليا بمثل ما فعلت ايطاليا قبل القيم بعملياته الحربية في ليبيا و فالايطاليون كانوا قد استمالوا في البلاد نفسها زمرة من الخونة الذين لا يتعدى عددهم اثني عشر . والذين انبثوا بأنفسهم بين صفوف المواطنين او ارسلوا الى تجمعاتهم الغاضبة مبعوثيهم الذين اخذوا يمتدحون فضائل الايطاليين وينتقدون الادارة التركية في البلاد. ويوزعون الاموال لاستمالة النفوس .
وهكذا فأنه عندما وطئت اقدام الغزاة ارض طرابلس خيل اليهم ان الليبيين كانوا قد هيئوا لتقبل استعمارهم الوشيك الوقوع . ولكن بالرغم من الهدؤ الخادع الذي ضلل الايطاليين , فأن الليبيين كانوا قد اعدوا ما كان بين ايديهم من سلاح مالبثوا ان واجهوا به العدو, طاوين قلوبهم على امل ورجاء بأن يمدهم الغير بالسلاح الكافي كي يجاهدوا به ضد العدو الغازي.
وفي هذه الاثناء , اصبح موقف العسكر التركي شائكا. وهم يتخلون عن مدينة طرابلس, كانوا قد هربوا من المدينة وهم يتوجسون خيفة من الليبيين الذين اخذوا يتهددونهم ويرفضون امدادهم في فرارهم بأية مؤن او بهائم او جمال.
ان هذا في الحقيقة هو الذي اجبر الاتراك على خوض المناوشات الاولى ضد الايطاليين . لا على امل ان ينتصروا عليهم بطبيعة الحال, ولكن فقط لكي يثبتوا لليبيين انهم ليسوا خونة. وبأنهم خير حمأة للوطن وللدين الاسلامي المشترك . وقد سقط منهم بعض الشهداء . واحرزوا بعض الانتصارات الطفيفة , وهنا اخذ الليبيون يقولون في ذات انفسهم مندهشين من هذا التبدل غير المتوقع في مسلك الاتراك, : يستحيل ان يكون هؤلاء الناس الذين يبذلون ارواحهم دفاعا عن وطننا من الخونة الذين ارتضوا بيع وطننا ) .
وقال لي فرحات بي نائب طرابلس :
( عندما حضرت الى بلدة العزيزية في بداية الحرب . شاهدت العلم الابيض يخفق هنا مؤذنا بالتسليم . فما كان مني الا ان جكعت الاعيان وتحدثت معهم فقالوا لي ماذا بوسعنا ان نفعل ضد امة قوية كايطليا. وهي اقوى منا في العدد والعدة والسلاح . وحينما اردتم في العام الماضي ان تفرضوا علينا الخدمة العسكرية , الم تقل لنا حكومتكم العثمانية ان لابد من خلق جيش نظامي قادر على التصدي لاي جيش نظامي اخر معتدي ؟ ولكن اين هو الجيش النظامي الذي وعدتمونا به ؟ انظر الى جنودكم الاتراك! فهل مع هؤلاء يمكننا ان نجاهد ضد ايطاليا.؟)
وعلى حد قول فرحات بي فأنه امام هذه العزيمة المنهارة التي لاقاها عند اولئك الاعيان تقدم – كما يقول – وخاطبهم بعنف قائلا لهم ان الذين خانوهم ليسوا هم الاتراك بل انهم هم انفسهم الذين باعوا انفسهم للايطاليين (1)
فردوا عليه مغضبين (

الجزء الثالث

ثم اجتزنا واحة تيجي وكانت الطبيعة التي غسلتها الامطار التي هطلت اثناء الليل , قد اتخذت لها هيئات اكثر تماسكا واكثر تمايزا احداها عن الاخرى, فأنه خلافا للايام الصارمة , فقد انتفى الاغبرار وعفرة التراب وخف لمعان الرمال التي كان انعكاس ضؤ الشمس عليها يمتص تمايز الالوان . فلقد اتخذت الرمال لها لونا ذهبيا جميلا طغت عليه في بعض الاحيان خضرة الاعشيشاب في بعض البقاع , واصبح من الممكن استجلاء خط الافق والتمييز بين لون الارض ولون السماء اما الجبال فانها بلونها الازرق الغامق قد بدت رائعة ومتمايزة عن زرقة السماء.
وعند الساعة السادسة مساء القينا رحالنا والليل هابط, في (وادي المالحة) , وكانت الليلة جميلة , وقد اخذت انصب خيمتي بمفردي متمهلا , ولم يساعدني أي من خادي في ذلك , فانهما لامثيل لهما في التنبلة والبلاهة والكسل , على خلاف ترجماني الجزائري . وهما لايفكران سوى في الاكل والنوم ويكثران من الشكوى كلما منعتهما من فعل مايحلو لهما , وكلاهما ينتمي الى الطريقة العيساوية الصوفية ويحمل درجة شاوش وهي احد رتب هذه الطريقة . وهما يعتبران ان رتبهما الدينية هذه تجعل لهما هيبة وحظوة خاصة: فأولهما , واسمه التوهامي من مهامه في الزاوية العيساوية التابع لها اكل المسامير الحديدية في الحضاري اما الاخر واسمه ابوبكر فمهمته فيها اكل العقارب مثلما يدعيان وكنت اعتقد ان هذه الهواية الغريبة ستدفع بهما الى الاقتصاد في المأكل فيوفران علي بعضا من مؤنتهما . لكنهما على العكس مما توقعت لايقنعان بمجرد وجبة الكسكسي او حتى بأكلة ""الشمنكة""(؟).
بل انهما يطالبان ايضا بأكلة الشكشوكة . زد على ذلك انني مضطر الى استضافتهما في الليل في خيمتي لان الجو بارد , والمصيبة انهما يشخران اثناء النوم كالفيلة.
ووصلنا الى بلدة الجوش يوم 21يناير في الصباح , وذلك بعد سفر ثلاث ساعات . وعندما اخترقناها وجدناها عبارة عن واحة صغيرة قذرة , تحيط بها اشجار النخيل ومكونة من ستين او ثمانين من البيوت الخالية التي تهدم معظمها . ويتوسطها قصر قديم به برجان محصنان آيلان للسقوط . وكان مفتي البلدة وامامها جالسين يتجاذبان اطراف الحديث عند عتبة احد المنازل . وبالرغم من انني كنت في صحبة عرب واتراك الا ان هذين الشيخين قد تحاشيا ان يردا على تحيتي لهما بمثلها . لقدكانا بدينين , اشقري الشعر , كبيري البطن تتدلى من ذقنيهما لحيتان كثتان. وكانت بشرتهما نقية وتقاطيعهما عليها مسحة من الصرامة والجد . ولقد كان هذان الشيخان المهيبان يلبسان تحت برانسهما البيضاء ثيابا مبطنة مصنوعه من نسيج الالحفة الغليظة الشبيهة بالثياب التركية التي لبستها بعض شخصيات الكاتب المسرحي موليير في مسرحيتيه:"" المريض بالوهم"". والبرجوازي النبيل"".
ثم مررنا ببعض اعيان البلدة الذين استقبلوني استقبالا حسنا, على خلاف الشيخين السالفي الذكر , اذ ان مرافقي قد اخبروهم بهويتي وبالغرض من قدومي الى بلادهم . وكان من بين اولئك الاعيان اثنان من مشائخ البادية, وموظف حكومي من اصل قريتلي كانت تبدو عليه علامات مرض السل , فقد كان نحيلا للغاية ووجهه مربد من شدة المرض , كما كان من بينهم ايضا نقيب في الجيش التركي.
واخذوا يحدثونني عن الحرب الدائرة بين الليبين والايطاليين , وبالرغم من انهم لم يذهبوا لخوضها بأنفسهم .فرووا لي طرفا من بطولات الليبيين , الذين وصفوهم – على حد تعبيرهم – بأنهم يسحقون الغزاة الايطاليين سحقا, متنبئين بأندحار هؤلاء في وقت قريب.
وانفرد احدهم يقول :
-"" ان عدد الشهداء من الجانب الليبي لا يكاد يذكر , لاْن الايطاليين لا يجسرون على مغادرة سفنهم الحربية, او الخروج من الخنادق التي اختفوا فيها ...اما رصاصهم وقذائف مدافعهم فأنها لاتصيب اهدافها...وهكذا فأن الفلاح في هذه الواحة مايزال مستمرا بكل طمأنينة في تسلق نخلاته..يجني رطبها او يجمع مشروب الاقبي المنسكب منها ..وان حدث وان مر به في اثناء ذلك , ازيز الرصاص , فأن كل مايفعله هو ان يتقيها بمعطفه او ثوبه قائلا : مطر !مطر! ..ماشاء الله... هذه نعمة من عند الباري على الطرابلسيين فله الحمد وله الشكر!"".
ثم ينبري آخر فيروي لي احداثا بطولية مبالغا فيها, قائلا:
- لقد ظل احد رجال مدفعيتنا مرة مدة ثمانية واربعين ساعة يوجه طلقاته للاعداء بدون توقف , رافضا ان يأخذ نصيبه من الراحة. مكتفيا بمضغ بضع تمرات جافة او اكل بضع شريحات يلتهمها على عجل من يد احد رفقائه, ثم يواصل اعمال مدفعه... ان حماسة قومنا وحميتهم في كفاحهم وصدهم للعدو قد بلغت اشدها في كل مكان , حتى في القرى والقصور النائية, ورجالنا وشبابنا يستعدون للذهاب الى ساحة المعركة من كل بقعة..وكل ما تخشاه رئاسة الاركان للجيش هو ازدحام المجاهدين اكثر من الازم , اذ ان لديها من الرجال اكثر مما هي في حاجة اليه , ولذا فأنها تفضل ان يبقى جزء من الليبيين في حقولهم لجني محاصيلها , متأهبين لاول اشارة يتلقونها من رؤساءهم ان هم احتاجوا اليهم في ساحة القتال . هذا هو حالنا في جميع اطراف بلادنا, حتى في فزان القاصية , او في واحة الكفرة النائية , او في موطن الطوارق ...فهنالك في كل مكان معين لا ينضب من المجاهدين البواسل الذين , حتى وان انسحب الاتراك من هذه الحرب , فأنهم سيواصلونها بمفردهم , ولن تنجح ايطاليا في كسر شجاعتهم"" .
وقد لمست هنا ان الليبيين والاتراك يحرصون اشد الحرص على الا يتهمهم الاجانب بأنهم قوم متوحشون او قتلة ذباحون , ويحاولون باءخلاص الابانة عما يتمتعون به من عواطف انسانية. زد على ذلك ان شعارات: الانسانية , وحب البشر والتقدم تعد على راس الشعارات التي تتردد في هذه الفترة كثيرا لدى انصار ثورة تركيا الفتاة . ولذا فاءن كثيرا من الليبيين الذين استهوتهم مبادءها قد اخذوا يرددون من جانبهم هذه المفاهيم والشعارات, حتى وان لم يفهم بعضهم احيانا مدلولها الحقيقي , ولكن : هل يهم فهم الشعارات ونفس المسلم تهتز للافكار والمفاهيم المجردة الغامضة!.. فأن بعض الكلمات تتخذ لديها نغمة محببة ولا يمكنكم ان تتصوروا مدى الضجة التي اثارتها هنا اجابة بيير لوتي عضو الاكاديمية الفرنسية على اسئلة صحيفة ايطالية طلبت اليه ان يدلي لها برايه في الحرب التركية الايطالية فكلمة اكاديمية الغامضة , والتي يصعب على الناس البسطاء هنا فهم مدلولها بالتحديد , قد اجدثت في النفوس مفعولا خاصا وصبغت على بيير لوتي اجلالا غطى على شهرته في حد ذاتها . وهي شهرة لا تهم احدا هنا في شيء , وقد تناقشت في ظاهرة حب واجلال العبارات الرنانة والمجردة عند الشرقيين مع احد الاتراك الحاضرين..والذ بدا لي انه انسان مثقف ثقافة عالية, فروى لي مصداقا على ذلك انه حينما قامت الثورة الايرانية كان هو موجودا في ايران , وقد لاحظ اثناء مناقشات الثوار فيما بينهم ان كلمة دستور كانت تتردد كثيرا في كلامهم فكانوا يقولون نريد دستورا ...نريد دستورا..ثم يستدرك بعضهم قائلا (( ولكن بربكم : ماذا تعني كلمة دستور على وجه التحديد)). ... ويستمر محدثي التركي في روايته قائلا: وحيث ان ايا منهم لايفقه مفهوم كلمة دستور فأنه لم يجد من يجيبه على تساؤله , وهكذا فأنهم سرعان ما استقدموا احد القواميس اللغوية ونقبوا عن مدلول الكلمة... وما ان فهموه حتى هرعوا يصدرون البنود والمواد الدستورية الواحدة تلو الاخرى !!!
...... هذا فيما يتعلق بالايرانيين وثورتهم والمفاهيم التي كانت تشغل بالهم, ولنعد الى الناس هنا , لنرى ما هي الكلمات والمدلولات التي تتردد في افواههم : لقد لاحظت ان تلك الكلمات التي تتردد هنا كل ثانية تقريبا هي كلمات مثل : انسانية –مدنية- تمدن – الخ . وكان الليبيون يقولون لي:
- لسوف ترى حين تصل الى غريان كيف نعامل اسرانا من الايطاليين : اننا بالتاكيد نعاملهم افضل من معاملتنا لجرحانا , بل انك قد لاحظت بنفسك منذ ان غادرت ( نالوت) . اننا قد خصصنا احد جمالنا لنقل هدايا ذويهم اليهم..... فأعلم ان العربي يعتبر ايذاء الاسير عملا يفوق في نذالته ضرب المراءة فالاسير الاعزل الذي ليس لديه ما يدافع به عن نفسه شبيه بفتاة عذراء لا حول ولا قوة لها..
انني اروى لقرائي هنا ما يقوله هؤلاء القوم عن انفسهم , وانا لم اشهد بعد بعيني ما يؤيده او يدحضه . وعلى اية حال , فليس لي الا ان امتدح هذه العواطف الانسانية النبيلة التي عبر بها اصحابها عن الاخلاق التي يرتضونها لانفسهم.
ثم اطلعتهم على احد اعداد مجلة ( المصور ) الاسبوعية التي اعمل مراسلا لها, وفرجتهم على صور (نشاءت بك) والدكتور) كريم صاباتي( التي نشرت بذلك العدد, فبدا على بعضهم الاستحسان . لكنني لا حظت ان رؤساءهم قد حاولوا ان يظهروا لي ان مثل هذه الامور لا تهمهم , فهم فيما يبدو لا يريدون ان يظهروا امامي امتنانهم او ان بالهم ينشغل بمثل هذه الصور والمقالات , التي ليس لها فى نهاية المطاف من هدف سوى الترفيه عن الكفار الذين يقضون وقتهم في مطالعة الصحف والمجلات...
ثم اطلعتهم كذلك على تلك الصور التي احدثت وقت نشرها للمرة الاولى في فرنسا ضجة كبيرة , وهي التي التقطتها اثناء احدى رحلاتي السابقة الى اسطنبول , فأعجب بها البعض اكثر من اعجابهم بما سبق من لقطات .. بيد ان الحاضرين من اعيان البلدة ابدوا لي مع ذلك اشمئزازهم منها قائلين:
- انها لا تعدو ان تكون ضربا من ضروب الاختراعات الكاذبة التي لا حاجة لنا بمشاهدتها""ز مرددين بأنهم لا يرغبون سوى تصوير الحقائق عارية كما هي. وقال لي احد الضباط الطرابلسيين :
- -"" عليك ان تحرر مقالاتك بمداد من ذهب , والا تحبر بذلك المداد سوى صفحات تصور الحقائق بدون أي مبالغة او زخرفة لفظية"".
انني لا اريد التعجل بالحكم برايي عن هذا الشعب , وفي رايي ان مثل هذا الحكم لن يتيسر لي الا بعد ان ارحل عنهم وان اتفكر برؤية وتأن في سلوكهم وطبائعهم وعقلياتهم بكل تجرد : اذ ان لهم نفوسا معقدة وساذجة في آن واحد , وكذلك متباينة فيما بينها . وهي في الحقيقة نفوس اناس يجتازون في هذه الظروف العصيبة فترة قاسية للغاية . وانني لاْكتفي الآن بالتساؤل بيني وبين نفسي : ما هو راي الليبيين في اعضاء حزب تركيا الفتاة الذين اطاحوا بالسلطان , وثاروا عليه , معلنين ايمانهم بالمساواة بين البشر وبين الاديان ؟... وما هي طبيعة العلاقات القائمة حاليا بين انصار تركيا الفتاة من الاتراك انفسهم, من ناحية , وبين هؤلاء الطرابلسيين الذين ظلوا ابعد الناس عن التعرف على حضارة اوروبا التي نادت جماعة تركيا الفتاة بالآخذ بمباءها وقيمها؟.. فهل استطاع التلويح امامهم بالمباديء والشعارات الاوروبية ان يخفف لديهم من تأصل المباديء والقيم الاسلامية والايمان بعقيدتهم الدينية التي تعدهم بنصر قريب على شعوب اوروبا النصرانية ؟ .. ام على العكس من ذلك...فأن هؤلاء الثوار الاتراك قد ادخلوا في نفس الليبي , او على الاقل في نفوس وعقول رؤسائه , عاطفة الانتماء الى وطن خاص به. بحيث صار يميز بين فكرة المواطنة وبين الفكرة الدينية ؟... ام ان الكراهية التقليدية بين الليبيين والاتراك ما تزال قائمة, وانهم مازالوا غرباء عن بعضهم البعض , لاتجمع بينهما مؤقتا سوى الرغبة في رد العدوان الايطالي الذي يتهددهم جميعا؟... وفي هذه الحالة : الى أي مدى , ياترى , سيستمر هذا التآلف بين الفريقين؟
المهم انهم استضافونا في البرج الذي يقع تحت امرة الملازم يقطنه مع بضعة عساكر , وتقدم النقيب شكيب الذي ما يزال في صحبتنا منذ ان غادرنا (نالوت), فطبخ لنا صحنين احدهما من المرق والاخر من طحال الغزلان . وقد كان طعامه في الحقيقة لذيذا للغاية , وان كان حاذقا لكثرة ما اودعه فيه من الفلفل الحار , الامر الذي جعلني اشعر بالتهاب شديد في شفتي ولساني , فادمعت عيناي وصرت اعطس في صحني . وقد لاحظت ان اهل البلد قادرون على تحمل الجوع طيلة النهار , لكنهم ان هم قرروا الاكل فأنهم قادرون على الاكل طيلة النهار ايضا, اذ انهم لايعرفون التوسط في الامور.
وكان هذا يحمل الينا حليبا , والاخر لبنا رائبا , وثالث يأتي بالاقبي (حليب النخل المسكر) , ورلبع يحمل بيضا مقليا في زيت الزيتون المر , ثم يعقب هذا وذاك صحن من الحلويات , ثم يأتونك بالتين المجفف والتمر . وبعد ذلك قهوة او شاي يقدمونه اربع مرات متتالية. وقد كان معنا بعض الاعيان الليبيين الشديدي التدين. ولكنهم غادرونا بعد الطعام للنوم بعد الظهيرة برهة , وهنا سقانا القوم بعض المشروبات الكحولية من مثل مشروب العرق ومشروب مصنوع من نبات النعناع المقطر.
وفي المساء خرجنا للتجول في صحبة ضابط حامية البرج . وكانت الظلال تخيم على الصحراء , فبدت لي هامات النخيل في الليل مثل عناكب سوداء هائلة.

الجزء الثاني

الفصل الثاني
في قلب طرابلس
الجوش في 22يناير 1912م
قطعنا المسافة الفاصلة بين بلدتي نالوت والجوش خلال يومين ونصف من السفر المتواصل حيث عبرنا سهلا خاليا تمتد بمحاذاته سلسة جبال نفوسة . ثم انحدر بنا الطريق عبر صخور وادي تارليس . وكانت جمالنا تقاسي العنلاء من اجتياز الدروب الوعرة . اذ ان اخفافها الرخوة قد خلقت للسير على الرمال وليس على الاحجار . وكان اجتياز مطبات الطريق الكثيرة يؤدي الى زحزحة امتعتنا من فوق ظهور دوابنا .. حيث نظطر كل خمس دقائق تقريبا الى اعادتها الى مواضعها وربط الاحزمة من جديد..مكيلين الى الدواب المسكينة الشتائم واللعنات..وخيولنا هي الاخرى كانت تقاسي من وعورة الطريق. وهكذا انطلقنا نحو وجهتنا في طابور متتابع , مخلفين وراءنا بلدة نالوت , التي كلما بعدنا عنها كلما بدت لنا معالمها ومعالم قصرها الهائل وخرائبها المهجورة مليئة بالكآبة . ولم نصادف اثناء تقدمنا عبر ذلك الطريق احدا , اذ خلت المنطقة من البشر ومن قطعان الماشية , بل وحتى من الطيور .
وتتألف قافلتنا من حصانين واربعة جمال تحمل امتعتنا والشعير المخصص لغذاء خيولنا . ومن مهرين يملكهما الرائد في الجيش التركي. واخيرا من جمل خامس محمل بالمؤن وبالالبسة المرسلة من ايطاليا الى اسرى الحرب الايطاليين المعتقلين في غريان. كما سبق لي وان ذكرت . هذا فيما يتعلق بالدواب . اما فيما يتعلق بنا فأنه بخلافي انا وترجماني (العلمي عليش) فقد كان هناك اثنان من اصحاب الجمال المؤجرة من الليبيين , وخادمان لي , وموظف ليبي اسمه (الصادق افندي) يعمل كمحاسب في دائرة الخزانة التركية , ونقيب تركي اسمه شكيب افندي قدم من بلدة غات وبصحبته اثنان من الزبطية أي الشرطة التركية وقد امضى هذا النقيب التركي في طرابلس زهاء احد عشر عاما متنقلا بحكم وظيفته بين فزان ومرزق وغات وسوكنة والشاطيء . وبالرغم من انه تركي من اسطنبول نفسها, الا انه قد تأقلم بعد هذه السنوات الطويلة التي قضاها في دواخل ليبيا وتطبع بعادات وطبائع الليبيين وملبسهم وتصرفاتهم فبدأ وكأنه واحد منهم.
كنا قد غادرنا نالوت حوالي الساعة التاسعة صباحا فوصلنا وادي غيلة عند الساعة الخامسة بعد الظهر , حيث وجدنا ان آثار مياه الامطار ماتزال تكون غدرانا وبركا , فتوقفنا هناك لقضاء الليل , وطنا قد خلفنا الجمال وحداتها تتبعنا على بعد مسيرة ساعة.
ولمحت فوق الجبال سحبا داكنة السواد , اخذت تتجمع في السماء ثم سمعت دوي الرعد واعقبه هبوب الرياح بعنف فتساءلت في نفسي والحال هذه كيف لنا ان ننصب خيمتنا وسط هذا الجو المكفهر الذي تزمجر فيه العاصفة , والواقع انه ما ان لحقت بنا الجمال حتى ادلهمت السماء بالسحب السوداء فجاءة واخذت الرياح تعصفنا على وجوهنا باتلحصي والرمال . وحاولت مع مرافقي ان ننصب الخيمة غير انني تبيت انهم لا يعرفون الطريقة المثلى لنصبها . فلقد اوقعتهم الريح العاتية على الارض وانكسر احد صواريها , وهكذا اصبحنا بدون مأوى . ثم اخذت الامطار تنهمر دون ان يتوقف هبوب الرياح وهبط الليل فأسرعنا برمي احجار على الخيمة كي لاتطير بها الرياح.
أما الخزائن التي تتضمن امتعتنا ومؤننا فقد ظلت مبعثرة تحت المطر الغزير هنا وهناك. وبعد عدة محاولات نجحت في اضاءة احد الفوانيس , واخذنا نجمع ما تشتت من امتعتنا , ولكن ظلمة الليل المطبقة وصفير الرياح العنيفة جعلتنا لا نكاد نرى او نسمع أحدنا الآخر ..واخيرا قررنا ان نتركها مكدسة في العراء وهرعنا للاحتماء في الوادي في بقعة تدرأ عنا هبوب الرياح..
وكان اول شلغل لي هو محاولة انقاذ ألات التصوير .. وهكذا فأنني قد ادخلت نفسي في احد اكياس الخيش حاملا معي تلك الالات الدقيقة, ثم اسدلت فوق معطفي ومن فوقه لحافا سميكا.. وظللت ممسكا بالالات بين يدي حيث بقيت بين ركبتي المغطاتين في منجى من ماء المطر والاتربة والرمال.
وهكذا بقيت جماعتنا المكونة من حوالي اثنى عشر رجلا , مكدسة في كومة على الارض المبللة, والامطار تهطل دون توقف . وكنا نخشى اثناء ذلك ان تتجمع المياه المندلقة من السماء فتنتظم في واد دافق يحملنا فجاءة مع زحمة مياهه الجارفة. كما يحدث كثيرا في هذه البلاد..ولكن لم يكن لنا خيار في ذلك, اذ اننا لوبقينا فوق المرتفع الذي تركنا فيه امتعتنا لتعرضنا للرياح العاتية التي تصفع الوجه بالحصي والرمال.
وفجاءة شعرنا بأن المياه اخذت تتجمع من حولنا في الوادي فكادت تغمرنا , واعتقدنا في البداية , ان مياه الوادي قد تدفقت نحونا, ولكنها لحسن الحظ لم تكن سوى بداية تجمع لبضعة مجاري جانبية .. وهكذا فقد اضطررنا للهرب منها قبل فوات الاوان, ولم يعد لنا من مأوى نلتجيءاليه.
وبعد مضي ثلاث ساعات متواصلة من هبوب الرياح وهطول الامطار , انقشعت الغيوم وهمدت وانقطع المطر . وسرعان ما تعاونا على تنظيم منتجعنا, فهرعنا الى امتعتنا وخزائن ملابسنا ومعداتنا ننتشلها من غدران المياه..حيث كومناها الواحدة فوق الاخرى. وذهب الزبطية والجمالون لجمع بعض الحطب, حاملين معهم احد الفوانيس . ثم اشعلنا نارا واخرجنا بعض المأكل وشرعنا في اعداد الشاي. وقد اكتشفنا ان حبات الرمل قد تسربت حتى الى داخل خبزنا وامتزجت به, فتذكرت قول الخليفة عثمان بن عفان (رضى الله عنه), الذي مفاده ان لم تخني الذاكرة: "" ان انت تقاعست عن اداء واجبك فستأكل خبزك وقد مازجته الرمال""(1).






(1)- لم اعثر على النص العربي الاصلي لهذا الحديث الذي ينسبه لسيدنا عثمان بن عفان , فأكتفيت بترجمته نصيا عن الفرنسية. المترجم

ومع ذلك فأننا لم نخل بأي واجب من واجباتنا , فيما اعلم ولكن هذا هو ما حدث على اية حال. وبقينا جالسين حول النار اطول مدة ممكنة . وقد كان البرد قارصا , وصفت السماء من غيومها من جديد ولمحنا من بعد نيران قوافل اخرى. داهمتها العاصفة من قلب الصحراء مثلما داهمتنا . وفجاءة لمحنا ظلالا هائلة تنعكس على الارض , ثم بادرنا رجل بالقاء التحية, فالتفتنا نحوه فأذا به ساعي بريد نالوت المتجه في طريقه الىالعزيزية , جاء يطلب منا ان نخلي له بينناء مكانا قرب النار لكي يجفف ملابسه.
وعلى بعد خطوات منا جلس الجمالوت في نصف حلقة, وقد اسدل كل واحد منهم برنسه فوق راسه ليحتمي به من البرد, وكانت النار تعكس ضؤ لهبها عليهم, لكنني لم المح تقاطيع وجوههم وكل ما كنت المحه منهم هو ارجلهم واذرعهم التي كانت السنة اللهب تتلاعب بظلالها على الارض.
وحاولنا بعد ذلك ان ننام , ولكن بالنظر الى ان الاغطية والالحفة كانت كلها مبلله بالماء , فقد اخرجت سريرا خشبيا مفككا قمت بنصبه بنفسي واستلقيت عليه فعزلني عن بلل الارض. وبسبب شدة البرد فقد نمت منكمشا, وقد وضعت ركبتي في بطني حاميا راسي ووجهي بيدي طلبا للدفء, ولم يطل علينا الصباح بشمسه الا بعد ليلة ليلاء من النوم القلق, ففرحنا بقدومه, وامضينا فترة الصباح في تنظيف حواجنا وامتعتنا وتجفيفها. وقمت بأصلاح صاري الخيمة المكسور . وغادرنا (وادي غيلة) وقد جفت ملابسنا من جديد, وهنا تذكرت ان النبي محمد(صلى الله عليه وسلم), او لعله احد خلفائه قد وجه كلامه مرة الى احد الطغاة قائلا:-
""ستذهب عنك قوتك يوما, فتصبح كقاع واد جاف بعد ان مرت به السيول"" (1).
ولكنني افضل في الحقيقة واديا جافا على سيل عارم, كما انني افضل في هذه الظروف التي مررنا بها, اشراقة الشمس على هطول الامطار . ومع ذلك فأنني اعتقد ان هذه الامطار التي هطلت قد ملآت نفوس الطرابلسيين بالفرحة والنشوة, لانها ستمد ارضهم بخصب حرمت منه منذ قرابة خمسة اعوام, وان هطولها المفاجيء يعد في نظرهم علامة على رضاء الله عليهم وهم مقبلون على الجهاد ضد اعدائهم الكفار.
وفي يوم العشرين من يناير واصلنا اختراقنا للسهل الصحراوي الخالي . والتقينا في الصباح بضابط قادم من العزيزية ومتجه الى نالوت, فسألناه عن سير الامور في طرابلس , فلم نجد لديه اخبارا طازجة , الا انه اخبرنا ان الاتراك قد حققوا يوم 14 يناير الحالي انتصارا على الايطاليين , كما التقينا امس في طريقنا بنسوة تركيات مسافرات على ظهور الجمال, وقد قيل لي انهن زوجات ضباط اتراك غادرن طرابلس وهن بصصد الاقلاع من احد المؤاني الى اسطنبول , وقد سبق لي وان شاهدت في بلدة ذهيبة التونسية نسوة تركيات اخريات كن يتأهبن للسفر ايضا الى بلادهن : فهل يتحتم على تفسير رحيل نساء الاتراك من ليبيا على انه بادرة لاحداث خطيرة تتهدد الليبيين والاتراك؟ .. ام ان سببه مجرد استفحال الغلاء وندرة المواد الغذائية في هذه الظروف العصيبة؟
وبعد مسيرة ثلاث ساعات من وادي غيلة مررنا على واحة بها بضعة منازل ونبع ماء وانجع بادية رحل يشكلون عائلة كبيرة اكثر منها قبيلة. وقد رايت اول ما رايت حمارا وبضع نساء واطفال وحوالي رجلين او ثلاثة وشيخا مسنا..ويعيش هؤلاء الناس في حالة من الفقر المدقع, فغذاؤهم الرئيسي هو نبات الجرجير ولا شيء غيره . وواصلنا سيرنا فمررنا ببدو آخرين يرعون قطيعا من الماعز, وكانت نظراتهم مليئة بالحذر وعدم الثقة فينا كغرباء.وذلك بالرغم من مرافقي كانا من العرب والاتراك . وقد حاولنا ان نبتاع منهم جديا فرفضوا بيعه لنا بكل شدة قائلين:
- ان عنزاتنا وجدياننا مخصصة لنحرها قربانا على قبر احد المرابطين.
فعدنا نسألهم :
- بيعوا لنا اذن بعض لبنها! فردوا قائلين:-
- ان بيع اللبن امر مخجل فاللبن يعطى ولا يباع , لكننا على اية حال نرفض ان نعطيه لشخص (رومي)!
وهكذا فقد فشلنا في تذوق لبنهم ولم يعد امامنا سوى اكل المعلبات التي في حوزتنا وكذلك خبزنا الممزوج بالرمال. والحقيقة ان الرمل يعتبر احد شخصيات الصحراء , وهي شخصيات قليلة العدد , وهي :(الريح, والشمس والحجاج المتجولين والرعاة الرحل والغزلان والكلاب والجمال ). فهي كما ترون شخصيات محدودة ولكنها لها طابعها الخاص . وفيما يتعلق بالرمل انه يتسرب الى كل مكان , وهو يلتصق بالاسنان , فهو حاضر دائما يتعدى جميع الحواجز , انه كالعطر ينفذ الى كل شيء ! وكنا نأكل طعامنا هذا واقفين وقد رمى كل منا لجام حصانه فوق كتفه , وان كان لدينا وقت فأننا عادة نوقد النار ونعد الشاي . وتقليد اعداد وشرب الشاي في هذا البلد يقتضي ان يشرب المرء منه اربعى اكواب . وعندما سألت : لماذا اربعة اكواب لا اكثر ولا اقل ؟ رد علي النقيب التركي بهز الراس قائلا:
-لاننا هنا نعيش في بلاد يعيش فيها الجمل , وحيث ان للجمل اربع ارجل , فقد تقرر ان يشرب المرء من الشاي اربعة اكواب!

(1)- لم اتمكن من التحقق من صحة هذا الحديث الذي ينسبه المؤلف الى الرسول(ص) او الى احد الخلفاء, ولهذا فأنني انقله عن الفرنسية كما هو بكل تحفظ في صحة نسبه. المترجم

الجزء الاول من كتاب في معسكرات المجاهدين..للصحفي الفرنسي جون ريمون

مقدمة المؤلف
كنت قد بلغت حافة هضبة السلوم عند غروب الشمس يوم العشرين من مايو سنة 1912م عندما تبدت امامي فجاءة سلسلة الجبال الليبية الممتدة في اتجاه القاهرة. ولم تكن ظلمة الليل قد اطبقت بعد على المشهد تماما , فقد كانت بقايا ذلك النهار ماتزال تعكس فوق اديم البحر وعلى سفوح الجبال خيوط ضؤ شاحب عم قبة السماء , فبدت الطبيعة كما لو كانت تصد عن نفسها ظلمة الليل ومواته . وقفز رجالي من فوق ظهور خيولهم وجمالهم , ثم انهمكوا في تأدية صلاة المغرب وقد يمموا وجوههم شطر المشرق , تلك هي خاتمة مطافي الطويل عبر ليبيا التي خلفتها ورائي , ولم اعد المح امامي الان سوى علم مصري يخفق فوق قصر تركي قديم. والتفت وانا اتوارى عن المشهد الرائع الممتد خلفي لالقي نظرة اخيرة على ذلك الطريق الذي ظللت اعبره طيلة قرابة خمسة اشهر : ولم يكن ذلك الطريق سوى درب وعر عبدته , وسط الحصي , حوافر الجياد وانعل البدو الخفيفة واخفاف البعير الرخوة عبر فضاء الارض الليبية الواسع.
لقد قال لي اولئك الذي كلفوني بالقيام بهذه الرحلة الشاقة :"" اذهب لتقصي حقائق واخبار هذه الحرب المقدسة, واختلط بجموع المجاهدين الليبيين واخترق هذه البلاد الواسعة التي لم يجسر على عبورها اي اوروبي منذ اربعين سنة …فلعله ان يحالفك الحظ فتستكنه لنا بعض اسرار الاسلام."".
وبالرغم من انني لم تمكن من القيام بكل ما طلب مني, الا انني وفقت مع ذلك في ان اراقب الناس والاشياء عن كثب , خلال ظروف تتكشف فيها الحقائق كاملة , واتيح لي فيما اعتقد ان اسمع دقات قلب العالم الاسلامي اكثر من اي مراقب غربي آخر, وقد علمتني تجربتي هذه انه مهما تكن عظمة القوى التي تتهدد هذا الشعب الليبي , فأنه من المستحيل عليها ان تقهره مالم يستسلم لها في النهاية بنفسه . وادركت كذلك انه واجد الان في دينه الاسلامي اعظم قوة يستند اليها في مقاومته للاحتلال الاجنبي , ومن ثم فأنه على اعدائه ان يتوقعوا منه مقاومة تقاس قوتها ومداها بمدى عمق ايمانه بعقيدته.
اما من وجهة نظري كفرنسي جاء يراقب حربا ستقرر مصير بلد يطل على هذا البحر الابيض المتوسط الذي نعتبره في هذا الزمن مجالا حيويا لنا كفرنسيينويسكنه شعب عربي يعتبر امتدادا بشريا للشعوب المغربية التي نستعمرها حاليا, فأنه يتراءى لي انه يتحتم علينا الا نكتفي بالوقوف كمتفرجين على مايجري فوق ارضه من صراع دام , وفي راي ان فرنسا باعتبارها حامية ديار الاسلام(!!!!!!!), في وقت تحاول فيه المانيا سدى ان تقوم مكانها بهذا الدور , من واجبها على نفسها ومن حق الشعوب المغربية التي تستعمرها عليها ان تكون لها من الان فصاعدا سياسة اسلامية مرسومة , لابد لها ان تتمسك بها ولا ان تصرف النظر عنها بأيعاز من وزير من وزراءها المتهاونين او حاكم من حكام مستهمراتها اللينيين, ولدينا في هذا المجال قوى وقدرات لابد وان نستعملها لصالحنا. ولقد كنت اتذكر وانا اعبر الاراضي الليبية كيف ان ملوك فرنسا قد راوا ضرورة اتباع مثل هذه السياسة منذ القرن السادس عشر , وكيف ان نابليون بونابرت كان قد رآى مارآه هؤلاء الملوك قبله في هذا الشأن , حيث قال "" انني سأسدي لبلدي فرنسا خدمة جليلة ان انا استطعت جعل قوة الاتراك اكثر خطرا على بقية البلدان الاوروبية"".
انني بوصولي الآن الى الحدود المصرية اكون قد فرغت من تحرير هذه المذكرات التي اودعتها الصفحات التالية , والتي طفقت اسجلها يوما بعد يوم منذ ان وطئت اقدامي أرض ليبيا. واعتقد ان الموقف العسكري قد تبدل الان في كل من طرابلس وبرقة, وان الايطاليين قد استمروا في احتلال بقية المواقع الهامة على الشواطيء الليبية, والتمركز فيها ضد عدو لم تخمد لديه قط حمأة الدفاع عن وطنه والذود عنه. اما في اوروبا نفسها, فأن الايطاليين قد اصبحوا اكثر نشاطا وحذقا , اذ اعلن ان تركيا, وقد تعرضت لحرب صليبية جديدة, قد قررت تسليم فيما هو في حوزتها في افريقيا (يعني ليبيا), لكي تتمكن من تركيز كل قواهل ضد اعدائها الجدد الذين اصبحوا يتهددونها هذه المرة في عقر دارها.
فيا ترى مالذي سيكون عله رد فعل الاتراك الذين مايزالون موجودين في ليبيا تجاه الاتفاقيات التي وقعتها حكومتم دون استشارتهم.. بالرغم من انها تخصهم وتخص ليبيا التي ماتزال اسميا تحت سيطرتهم ؟ وياترى ما الذي سيفعله الضباط والجنود الاتراك الذين التزموا بالدفاع عن ليبيا حتى الموت؟
ان الاتراك هم وحدهم الذين تركوا الامور تتدهور وتتردى الى هذه النهاية المؤلمة لليبيين .. فكيف سيكون حالهم وهم يتركون هؤلاء الليبيين وحدهم وجها لوجه امام عدوهم؟ وهل سيقبل هؤلاء ان يتخلى الاتراك عنهم..
مهما يكن الامر , فاءن الجيش التركي الهزيل الموجود حاليا في ليبيا , ان هو استدعى الان للعودة للاسهام في الدفاع عن تركيا نفسها وترك ليبيا لمصيرها , فأنه سيغادر في الايام المقبلة كلا من طرابلس وبرقة تاركا المدن الليبية التي حاول الدفاع عنها اكثر من سنة .. والحقيقة ان سيكون مشهدا مخزيا: مشهد هذه البضع مئات من الجنود الاتراك ذوي الثياب الرثة الممزقة الذين حرقت الشمس وجوههم وغطت الجروح اجسامهم , وهم ينسحبون امام المئة وعشرين الف جندي ايطالي الموجودين الان في طرابلس وبنغازي ودرنة. وعندما يصل هؤلاء المحاربون القدماء الاتراك الى ميناء اسطنبول فلن يكون في وسعهم سوى الارتماء في احضان ابناء عمومتهم الذين لم يخسروا الحرب في تركيا وطنهم الام . سيصلون الى هناك للاسهام في جهاد اشد فضاعة من ذاك الذي تخلوا عنه على ارض ليبيا , اذ فيه سيتقرر مصير تركيا نفسها . بل وقد تترتب عله كذلك تحولات شاملة في اوروبا برمتها . واذا كانت حملة ايطاليا على طرابلس هي الاصل في قيام حرب البلقان , فيا ترى ماهي العواصف الاخرى التي ماتزال هذه الحرب تنذر بهبوبها ؟ ... ان مائة سنة من سياسة القوميات وحقوق الشعوب قد جرتنا الى هذا الوضع , بحيث ان حدوث اقل شرارة قد يكون من شانه اندلاع الحرب في الكرة الارضية برمتها.
وعلى اية حال , فأنني في هذه اللحضة التي اتأهب فبها للتوجه الى القسطنطينية عبر مصر , ان كان لي ان اصدر حكما على جميع الاتراك – منطلقا في ذلك من انطباعاتي عن اولئك الذين احتككت بهم منهم وعشت معهم في ليبيا, فلست اشك في ان تركيا ستخسر الحرب الجديدة ايضا.

15اكتوبر 1912م
الفصل الاول
الحدود الليبية – التونسية
17يناير 1912م
اخترقت جيادنا خط الحدود الفاصل بين تونس وطرابلس والممتد ما بين علامة للحدود منصوبة وسط السهل واخرى تقع في اعلى الجبل يطلق عليه اسم جبل( الللا ذهيبة) . ويروى ان الللاذهيبة هذه كانت فتاة اراد ذووها عقد قرانها على كره منها على شخص لاتحبه فهربت في يوم عرسها ممتطية ظهر الجمل الذي كان يحمل هودج العرس وصعدت به الى جبل قريب استلاذت بقمته حيث ظلت هناك تعيش وحيدة ولهذا صار ذلك الجبل الذي يحمل اسمها ....
وصحبني الملازم بوفيه قائم مقام مركز ذهيبة ونائبه الملازم بيلليه حتى نهاية طرف التراب التونسي ثم توقفا وكانت قد اتفقت السلطات الفرنسية في تونس مع الاتراك على ان ينتظرني اثنان من الزبطية لكنهما لم يكونا بطبيعة الحال في انتظاري . وقد ابدى الملازم بوفيه سخطه لتخلفهما عن الموعد فهونت عليه قائلا انه لاداعي ان يقلق للامر..وانني لا اشك في انني سابلغ بلدة نالوت سالما .. بيد انه اصدر اوامره بالرغم من ذلك الى احد الفرسان الجزائريين العاملين تحت امرته طالبا منه ان يلقي ببرنسه الازرق ويصطحبني انا ومترجمي العربي ( العلمي عليش) داخل الاراضي الليبية حتى نلتقي بالشرطة الاتراك..والحقيقة ان الدخول الى بلد اجنبي مع فارس شجاع كهذا الجزائري لهو امر يبعث على الطمأنينة في النفس , وليس لي الا ان اثق فيه ثقة مطلقة كما يثق فيه رؤساؤه . اذ ان هؤلاء الفرسان الذين يطلق عليهم اسم فرسان السباهي من عادتهم حين يوكل اليهم حماية شخص وحراسته انيظلوا بأستمرار يحتظنونه بعيون ساهرة على سلامته , ويسيروا بجانبه خطوة بخطوة ..ويذكرني هؤلاء الجزائريون بأولئك الحراس الاحباش الذين لايتخلون عمن هو في حراستهم وتحت حمايتهم قيد انملة..حتى لو طلب منهم هو نفسه ان يتركوه لحظة لقضاء حاجة بشرية وكل مايفعله الواحد منهم في مثل هذه الحاله هو ان يخفي وجهه بثوبه جاعلا منه ستارة بينه وبين محروسه.
تقع بلدة نالوت على بعد اربعين كيلومترا من مركز ذهيبة التونسي حيث يربط بينهما طريق وعر لايعدو ان يكون دربا ضيقا يصعب اجتيازه في كثير من المواقع...ويخترق هذا الدرب منطقة تتبعثر فيها الصخور والاحجار عند سفوح جبال دببت قممها بفعل هبوب الرياح المحملة بالرمال, بحيث تبدو تلك القمم من بعيد كالابر او كالاوراق المدببه..ثم تأخذ تلك الجبال في الانحدار شيئا فشئيا كلما تقدم المرء في سفره تجاه السهل الخالي حيث تتسطح فوقه رمال على هيئة نتوءات صخرية مستطيلة كالالسنة.
واثناء تقدمنا لمحت على يميني قرية وازن التي ضمت جميع البساتين التي كانت تتبعها الاراضي التونسية عندما اعيد رسم الحدود الليبية التونسية مؤخرا..ونجم عن ذلك ان سكانها الاصليين من الطرابلسيين يأتون للعمل فيها كل يوم حتى بعد ضمها لتونس .. ومن المؤكد انه اذا قدر للايطاليين يوما ان يستعمروا ليبيا , فان هذه القرية التي لاتبعد عن مركز ذهيبة الا بمسافة سبعة كيلومترات , ستضم برمتها الى داخل الحدود التونسية.. ولقد ابدى لي قائم مقام ذهيبة الفرنسي بوفيه اسفه عندما كنت اتجاذب معه اطراف الحديث قبيل عبوري للحدود الليبية , لتسرع فرنسا في الاتفاق مع تركيا على رسم الحدود بين تونس وليبيا قبل بداية الغزو الايطالي لهذه الاخيرة .. ففي رايه ان فرنسا لو انها تريثت فب الامر لامكنها ان تضم الى تونس اراضي ليبية اخرى اذ ان الاتراك لن يحتجوا على ذلك ان هم رأوا ان كفة الحرب سترجح لصالح ايطاليا(!!!!!!).
ويقول هذا الملازم الفرنسي ان الضباط والموظفين الحكوميين الاتراك العاملين في ليبيا لايهمهم التفريط في اجزاء من الاراضي الليبية لصالح فرنسا, اذ كثيرا ما صرح له بعضهم بدون خجل قائلين:"" اننا ان نحن خسرنا حربنا ضد ايطاليا نتيجة لتفوقها في العتاد والرجال , فاننا نأمل الا تتخلى لهم فرنسا عن مطامعها في مدينة غدامس وان تضمها الى تونس(!!!!!).
ومر بنا اثنا انشغالي بالتفكير في مثل هذه الخواطر اول سرب من الغزلان مكون من ثلاث غزالات شقراء كالذهب , او قل مثل الرمال التي تركض فوقها ثم سرعان ماتوارت عن انظارنا.
وكنا ونحن نعبر هذه الارض التي حرقتها الشمس نمر من آن لآخر قرب بستان من البساتين او نخلة او ببضع اشجار تين تعرت من اوراقها وثمارها , فالفصل فصل شتاء مثلما هو الحال عندنا في فرنسا . وبالرغم من ان الشمس قد اخذت تلفح وجهي بحرارتها الا ان هناك رطوبة باردة تصحبها وتلطف الجو , فلا يبدو قائظا كما هو الحال في اعماق الصحراء المجاورة لنا. والخضرة التي يلاقيها المرء هنا شيء يريح النفس وسط هذه الصحراء الشاسعة العادية التي كآبتها ترهق العين والنفس.
وبعد انقضاء اربع ساعات من السفر المتواصل عبر وديان منطقة المالحة بدأنا في التصعيد وسط آكام من الصخور الحمراء والقرمزية, وكنا ننحدر من آن لآخر عبر وديان صغيرة تناثرت على اطرافها اشجار النخيل التي كانت في بعض الاحيان تتحول الى واحة صغيرة. وكنت بين تارة واخرى القي نظرة على حارسي الجزائري الذي يتقدمني فوق صهوة جواده , فأراه مرتديا برنسه الابيض محتميا من وهج الشمس , يلتفت ورآه من آن لآخر كي يطمئن على. فألمح تقاسيمه الحادة وانفه المعقوف وجبهتخ العالية ونظرته الحادة التي لاتماثلها في تعبيرها الا نظرات تلك الوجوه التي خلفها الفراعنة في رسوماتهم الخالدة.
وعندما بلغنا اعلى نقطة في تصعيدنا , شاهدنا امامنا فجاءة تلالا متناثرة نمت فوقها شبه غابة من اشجار الزيتون , وبدت تحتها مراعي خضراء من اعشاب الديس الخصبة. ولم اكن منذ ان غادرت مدينة قابس التونسية امر الا بطبيعة جدبة قاسية وها انذا امر للمرة الاولى من سفرتي هذه بمنطقه باسمة تريح النفس خضرتها الشديدة الشبه بخضرة بعض مرتفعات ريف جنوبي فرنسا.
ثم تجلت امامنا بلدة نالوت التي لم نلمح منها في البداية سوى بضعة منازل بيضاء , اعقبها نمط اخر من المساكن ذات الدهاليز المحفورة في الارض . ثم تلتها فجاءة بلدة محصنة بنيت مساكنها على جانبي واد عميق بحيث بدت تلك المساكن كما لو كانت تتسلق الصخور او تتدحرج منها. وكانت جميع تلك المساكن في وضع مائل. وقد تهدم معظمها واصبح من الصعب الصعود اليها . وبدا في الوسط قصر شامخ بني سوره من صخور هائلة عمها الظل وبدت قمته لامعة تحت وهج الشمس .
وبدا لي ذلك المشهد عند غروب الشمس , وقد طغت عليه خضرة مشربة بصفرة كصفرة الكبريت , مشهدا اسطوريا . وخيل الي انني كنت واقفا امام بلدة حلت بها جميع النكبات او عبثت بها الحروب..وكنت اعتقد قبل ان اقدم الى هنا ان قصور تطاوين التونسية لايمكن ان يعلو عليها شيء من مظهرها الروماني الذي لايوصف , لكنني وقد تأملت الان بلدة نالوت وقصرها القديم, ادركت انها تفوق تطاوين رومانية وغرابة: فالحضارة قد فعلت فعلها بتطاوين وضواحيها وهدم من قصورها القديمة ما كان آيلا للسقوط كي لاتنهار انقاضها على السكان وادخلت على المدينة بعض التحسينات وغادرها عدد من اهلها حيث بنوا لهم بيوتا جديدة في السهل القريب منها او عند سفوح الجبال القريبة, وظلت قصور تطاوين القديمة خالية خكلايا النحل المهجورة يأتي الناس للفرجة عليها عن بعد دون الاقتراب منها . اذ انها لم تعد مسكنا سوى للحمام البري.
عندما ولجت مساء امس الى بلدة نالوت, حز في نفسي ان القمر لم يكن قد بزغ بعد وقد كنت او مشاهدة ابنيتها وقد انعكس عليها نوره الشاحب فجعلها كأشباح اسطورية.
وفي صباح اليوم تجولت في ازقة نالوت صحبة رفاقي , ثم ولجنا من تحت قبة واطئة الى داخل قصرها الكبير , وفي الظل لمحت وجوه رجال انسدلت عليها اردية بيضاء وهم جالسون جماعات وجماعات.وكانت سعة تلك الازقة لا تزيد عن متر واحد بل واقل من ذلك. وكانت تقوم على جوانبها سلالم ودرج تفضي الى غرف شبيهة باعشاش الطيور او قل هي شبيهة بالثقوب المنقورة في الصخور .
والناس هنا يستعملون هذه الغرف الفريدة كمساكن لهم او كمخازن لمحاصيلهم من القمح والشعير. وفوق راسي كنت المح بين الحين الآخر روافد من الخشب قصد بها دعم الجدران ومنعها من التداعي والانهيار في الازقة .وظللت اخترق الازقة والسكان واقفون وسط فتحات غرفهم العالية صامتين لاينبسون ببنة شفة في حين ان رؤؤسهم البيضاوية النحيلة لا تتحرك فيها سوى عيونهم التي كانت تتطلع الينا وقد انعكس عليها الضؤ , فبدوا لي اشبه بسرب من اسراب البوم الابيض او كجماعة من طيور الليل التي تحدق بمن يمر بها دون ان تراه.
ثم هرعنا تاركين تلك الازقة المعتمة الى نور النهار , فتبدى امامنا واد واسع انحدر عموديا بين جبلين وعرين تعرت طبقات الصخور المكونة لهما الا في بعض المواقع التي غطتها آكام الاتربة التي نمت فوقها واحة خصبة تشابكت حولها اغصان الشجر , حيث انبجس من بين الصخور نبع ماء انسابت مياهه بين جذوع اشجار النخيل التي بدت سامقة في الفضاء كصواريخ خضراء بددت كىبة الجبال بعض الشيء .
ويبلغ تعداد سكان بلدة نالوت حوالي اربعة الاف نسمة لكنني اجزم بأنه لم يعد بها في ذلك اليوم سوى الالف نفس فقط. فلقد ذهب من الرجال من ذهب الى ساحة القتال للتصدي للعدو الايطالي, وبقى البعض الاخر في البلدة حيث ارتدى عدد منهم بزة العسكر التركي او بدلة الشرطة وظلوا يحرسون البلدة..
ولقد احسن الجميع استقبالنا , وقدموا لنا ظهر اليوم وجبة من الطعام (البازين) الذي يعد الاكلة المحلية, والبازين يتكون من عيش السميد الصلد المتماسك ومن لحم الخراف ومن طبيخ مفلفل حاذق , وقد حملت الينا هذه الوجبة في قصعة كبيرة من الخشب مغطاة بطيق منسوج من السعف الملون اظنه مصنوعا في غدامس وما ان لمح الداعون والضيوف الشخص الذي يحمل القصعة يقترب منا حتى صدرت عنهم صيحات فرح.. ثم سرعان ما غرسوا اصابعهم في قبة البازين يقتطعون منه كتلا مناسبة اخذوا يغمرونها ويقلبونها في عصارة الطبيخ قبل ان يدفعوا بها الى افواههم متلذذين . ثم تقدم خادم فغرس في قمة البازين فخذة خروف مالبثنا ان تقاسمنا لحمها بيننا. وقد اكلت مع الآكلين ملتهما بأصابعي طعامهم اللذيذ الذي يستحيل على المرء اكله الا بهذه الطريقة, اللهم الا اذا اخترعت له ادوات اكل خاصة جديدة. وعلى اية حال فليس لي ان آخذ عليهم هذا التقليد المحلي في اسلوب الاكل , اذ ان كلا منا قد غسل يديه بعد فراغه من تناول طعامه بأصابعه.
ثم جلست للراحة بعد تناول تلك الوجبة الدسمة حيث اخذت اتحدث مع هذا او ذاك من مستضيفي فمرة اتحدث مع صاحب جمل اناقشه في امر تأجيره منه واخرى مع جاويش شرطه او مع نائب القائم مقام او مع ضابط او مع احد موظفي البرق , كلا يريد ان يسدي خدمة اونصيحة تتعلق برحلتي التي سأواصلها في الغد.
وقد لاحظت ان الناس هنا لايدخلون في صلب موضوع الحديث الذي جاؤوا من اجله مباشرة , اذ ان ذلك يعتبر عند الليبيين مخالفا لآداب اللياقة في المحادثة. ولذا فأن الاحاديث تطول , حيث تتبادل التحيات مدة ساعة تقريبا قبل ان يطرق محدثي معي موضوع رحلتي والاعداد لها. وكنت اقول لهم: ""شكرا لكم, الف شكر على استقبالكم الحسن لي , وانني لاشعر في تواجدي بينكم انني بين اهلي وعشيرتي او مع اخوة لي"".
فيرد على احدهم قائلا:-
- عندما لمحناكم عن بعد قادمين من ذهيبة قلنا لبعضنا البعض : هاهو ضيفنا قادم نحونا مع صحبه, وتمنينا ان لو كانت لنا اجنحة فنطير بها للقياكم"". وارد قائلا:
- ان الفرنسييين معجبون بالجنود الاتراك الذين يعتبرونهم اشجع الشجعان. فيرد على احد الاتراك قائلا:
- ونحن الاتراك نعجب من طرفنا بالفرنسيين ونعتبرهم من اعظم شعوب الارض ,وبيننا وبينهم حلف من المودة قديم العهد, ولن نسمح لاي قوة ان تفرق بين الشعبين التركي والفرنسي .. ثم السنا جيرانا: انتم تحكمون تونس ونحن نحكم ليبيا , فانتم اذن جيراننا واصدقاؤنا ولن يعكر صفونا احد....)(!!!!!!).
على هذه الشاكلة كان يجري حديثي معهم بواسطة مترجمي الجزائري العلمي عليش اذ انه لايوجد في هذه البلدة القاصية البعيدة عن العمران وعن ميدان المعارك سوى الليبيين وبعض صغار الموظفين الاتراك, وكلاهما لا يتحدث سوى العربية او التركية..ولقد كنت احمل في جيبي رسائل تعريف موجهة الى قائم مقام نالوت التركي (رافد بك), والذي يحمل دكتوراه في الطب . وعاش مدة طويلة في تونس , الا انه الآن غائب في سفرة الى بلدة بن قردان التونسية .. ومع ذلك فان استقبال الناس لي هنا كان حارا للغاية, كما سبق وان ذكرت , بل انه كان مؤثرا الى حد كبير وقد لمست حرارة الظيافة وبوادر الاستقبال من الفلاحين الليبيين الذين كانوا يحيونني كلما مررت عليهم بضم اليد اليمنى الى صدورهم, ومن الموظفين الاتراك الذي اسكنونني ومرافقي في احسن بيوت البلدة ودعوني للعشاء وكذلك نائب قائم مقام وهو ليبي, الذي تعهد حتى بتقديم الشعير الى جيادنا افراطا في الكرم..
نالوت في 19يناير 1912م
انني على اهبة الرحيل الى مدينة غريان التي سأسافر اليها بعد ساعة عن طريق جبلي , وذلك في صحبة نقيب في الجيش التركي قادم من بلدة غات..ومتجه الى بلدة العزيزية.. وقد علمت ان القافلة التي سأسافر معها تتضمن جملا يحمل هدايا وملابس مرسلة من قبل عائلات من ايطاليا الى المساجين الايطاليين في غريان.

Tuesday, May 30, 2006

الجزء الاول من جهاد الليبيين في فلسطين

في اوائل سنة 1948م تناهت الى اسماع الشعب العربي الليبي تلك الصيحة التي دوت في الشرق منادية بالجهاد لتحرير فلسطين من الاسرائيليين الغزاة تلك الصيحة التي اطلقتها جامعة الدول العربية مهيبة بشعوبها لكي تهب لنجدة الشعب العربي الفلسطيني وقوبل هذا النداء في ليبيا بلبيك فلسطين وتدافع الشعب العربي الليبي في مدنه وقراه متجمعا ومطالبا بفتح الطريق الى فلسطين ولكنه لم يجد في الميدان من يعينه للوصول الى ارض فلسطين فلم يستكن بل قرر المتطوعون منه الرحيل الى فلسطين على حسابهم الخاص رغم العوز والفقر وحتى النساء تبرعن بكل ما يملكن من حلي ولباس لمساعدة المتطوعين.
وفي اول ابريل سنة 1948م غادر الارض الليبية اول فوج من المتطوعين وكان عددهم مائتي مجاهد صرف لكل واحد منهم جنيه مصري واحد وعباءة واحدة ركبوا سيارات شاحنة مرت بهم على المدن والقرى مواصلة سفرها الى الحدود الشرقية وكان الناس يتساءلون ما خطب هؤلاء ؟.واين هم ذاهبون؟ وكان الجواب :انهم ذاهبون الى فلسطين لنجدة اشقائهم والدفاع عن ارضهم لطرد العدو الغاصب وقد اثار ذلك مشاعر اخوتهم الليبيين في تلك القرى والمدن فأنضم اليهم عدد من الشباب والشيوخ لينالوا شرف الدفاع عن فلسطين الى ان تضاعف العدد ووصل الى اربعمائة وستة وخمسين مجاهدا وما ان وصل الى السلوم حتى استقبلهم ضابط في الجيش المصري من اصل سوداني برتبة يوزباشي نقيب يدعى محمد سرور ممثلا عن الجامعة العربية مرحبا بهم ومبديا اعجابه ومشيدا ببطولات الليبيين اثناء جهادهم ضد الايطاليين فهم دائما السباقون لنجدة اخوانهم العرب.
وفي اليوم التالي ركب هؤلاء المتطوعون المجاهدون قطارا لنقلهم الى مدينة مرسى مطروح ومن محطة القطارات بمطروح تم نقلهم بسيارات سلاح الحدود والهجانا المصري الى الاسكندرية وهناك اعد لهم معسكر على انقاض معسكر قديم من معسكرات الجيش البريطاني ابان الحرب العالمية الثانية حيث دارت حرب مريرة بين مونتيغمري البريطاني ورومل الالماني وقد اعد هذا المعسكر من الخيام ذات الاحجام المتوسطة في تنسيق بديع وقد وصل الى هذا المكان ايضا في وقت سابق وبالتحديد في 1\2\1948م ثمانية عشر مجاهدا ليبيا اذكر منهم المجاهد سالم السركسي ومجاهد اخر يدعى المستيري وقد استشهد هذا الاخير اثناء دخولنا فلسطين وبذلك وصل عدد المجاهدين الليبيين في معسكر مرسى مطروح الى اربعمائة وستة وسبعين مجاهدا. وكان المشهد عظيما حقا فالجميع هنا ينتظرون ساعة التحرك الى ميدان الجهاد بالرغم من ظروفهم الصعبة فهم يشترون التموين على حسابهم الخاص ويحصلون على المياه المالحة بواسطة سيارات الجيش المصري . وقد ظلوا على هذه الحالة سبعة ايام وهنا اذكر شيئا قد لا يصدقه المرء وهو ان المجاهدين باعوا ملابسهم وكل مايملكون لكي يحصلوا على التموين اللازم ولكن ذلك لم يؤثر في معنوياتهم العالية ذلك لان لديهم القناعة بأنهم مجاهدون يتحملون المصاعب والمشاق لنيل شرف الجهاد.
وفي صباح اليوم التالي تجمع الحاضرون في المعسكر حول ممثل الجامعة العربية النقيب المذكور ليخبرهم بأنهم سيغادرون الى فلسطين قريبا جدا. وما كان من الجميع الا ان هتفوا مكبرين مستبشرين بقرب يوم الجهاد العظيم . وطلب منهم تسجيل اسماءهم لكي تصرف لهم الملابس العسكرية وابلغهم بأنه سيتولى قيادة المجموعة الليبية وطلب ان يطيع الجميع ويحترموا الاوامر العسكرية الصادرة منه وبذلك اصبحنا جميعا منذ تلك اللحظة عسكريين علينا واجب الطاعة وتنفيذ الاوامر دون تردد واصطف المجاهدون في ثلاثة صفوف طويلة لاول مرة حسب التنظيمات العسكرية وكانت مفاجأة الجميع ان من بين الواقفين في تلك الصفوف شاب لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره اخرج من الصف وامر بالعودة الى ليبيا وقد اثار هذا التصرف غضب الليبيين الذين اصروا على بقائه مما اضطر قائد المجموعة الى التراجع في امره فرجع الشاب الى مكانه شامخ الرأس مبتسما مستبشرا .ولعل الاخوة الذين تواجدوا في ذلك المعسكر يذكرون تلك الحادثة كما يذكرها ايضا قائد المجموعة ان كان على قيد الحياة الآن.
وقد تم في ذلك اليوم تسليم الملابس والتموين الذي لم يكن سوى علب من الحلوى الطحينية وقليل من التمر . وجمع الجميع في دائرة على الطريقة العسكرية وقف في وسطها النقيب سرور حيث قال :"" أنتم الآن الكتيبة الاولى "" واقترح الحاضرون ان تسمى كتيبة عمر المختار الاولى فوافق النقيب على هذه التسمية حيث ادرك انه الآن يقف امام رجال كلهم اصرار وتصميم على تحقيق املهم الكبير وهو ان يخوضوا غمار الجهاد جنبا الى جنب مع اخوانهم العرب لتحرير بقعة من ارضهم الطاهرة.
ولعل احدا يسأل نفسه عن كيفية التدريب الذي تلقيناه ولكنني سوف لن اجيب على ذلك السؤال لانني سأجد نفسي محرجا في ذكر الاجابة وكل ما استطيع ذكره بأننا استفدنا من خبرة شيوخنا الذين خاضوا غمار الحرب ضد الايطاليين الغزاة, فقد كان لهم الفضل الكبير في التدريب على السلاح بل كانوا اكثر خبرة ممن كلفوا بالتدريب.
صدرت الاوامر بعد اسبوع بالتحرك بالقطار من مرسى مطروح الى العاصمة المصرية ووصلنا الى الاسكندرية في نفس اليوم الى محطة سيدي جابر واستبدل القطار في تلك المحطة بقطار آخر كان في انتظارنا ثم واصلنا السفر الى العاصمة وكان الوقت ليلا وعند وصولنا الى محطة باب الحديد اقلتنا سيارات الجيش المصري عبر شوارع العاصمة حيث مررنا بالمناطق التالية: العباسية, كوبري القبة منشية البكري مرورا بحي روكسي وانتهى بنا المطاف الى الكيلومتر 9 معسكر الهاكستب بطريق مطار الماظة وهو معسكر كبير انتشرت مبانيه على مساحة واسعة وتحيط به الاسلاك الشائكة حيث اتخذنا المقام فيه في عنبرين خصصا لكتيبتنا .
وقد وجدنا في ذلك المعسكر اربعة آخرين من المجاهدين الليبيين منهم المجاهد محمد جعاكه والمجاهد بشير الناجح الذي استشهد في مدينة بيت لحم بفلسطين فيما بعد. وفي اليوم التالي جمعنا في ساحة المعسكر حيث تلقينا الاوامر من قائدنا بوجوب الطاعة وبأننا سنكون على اهبة الاستعداد لمواصلة الرحيل الى فلسطين وقد كان لهذا الخبر الاثر الطيب في نفوسنا حتى غمرتنا البهجة والسرور واصبحنا ننتظر ذلك اليوم ونحن مستبشرين فرحين يساورنا امل كبير في تحقيق النصر بأذن الله.
مكثنا في ذلك المعسكر عشرة ايام اختلطنا خلالها بأخواننا المصريين فتوثقت بيننا روابط الاخوة والوحدة وكم اثرت في نفوسنا كلمة كانوا يرددونها باستمرار وهي كلمة بلدية وهي تعني ابن البلد وهي تعني الاخوة وقد حفظنا عنهم هذه الكلمة واصبحنا نتندر بها طوال وجودنا في فلسطين . واتذكر انه في 21\4\1948م زارنا بمعسكر الهاكستب وفد من جامعه الدول العربية ومن بينهم الزعيم المغربي عبد الكريم الخطابي الذي تحدث الى كتيبة عمر المختار في خطاب حماسي بليغ اذ قال يا ابناء المختار انتم اول سرية متطوعين ستدخل فلسطين وسيتبعكم عدة سرايا من الوطن العربي بعون الله.
وفي صباح يوم 1\5\1948م جمعنا قائد الكتيبة باكرا في ساحة المعسكر وابلغنا بأن اليوم سيكون موعد السفر الى فلسطين وسيكون السفر بواسطة القطار والشاحنات الناقلة أي ان الكتيبة ستسافر في مجموعتين ولشد ما كانت فرحتنا حتى اننا كنا على اهبة الاستعداد في اسرع وقت وفي تمام الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم دخل المعسكر عدد كبير من السيارات الناقلة للجنود وجرى تقسيمنا الى مجموعتين . وكنت من مجموعة القطار حيث ركب الاخوة تلك السيارات وتحركت الى بوابة المعسكر التي فتحت على مصراعيها واصطف طابور طويل من الاخوة المصريين تحية لنا تعلوا وجوههم الابتسامة وتختلج في نفوسهم مشاعر الاخوة والمحبة وكلهم امل ان يحقق اخوانهم النصر على العدو .
وصلت بنا السيارات الى محطة باب الحديد ا نزلنا ودخلنا المحطة في ثلاثة صفوف طويلة نحمل متاعنا وبدون سلاح وسط هتافات اخواننا المصريين. وهناك ركبنا قطار الشرق كما يسمونه . وقد زادنا ذلك حماسا واملا في النصر .وتحرك القطار متجها الى مدينة بنها ثم انحرف رقا مارا بعدد من المحطات مازلت اذكرها مثل :بلبيس وابوحماد والزقازيق وابوصوير والتل الكبير والاسماعيلية الى مدينة السويس اذ وجدنا في استقبالنا هناك جماهير الشعب في المدينة تنطلق من حناجرها الهتافات بحياة فلسطين واشتركنا مع تلك الجماهير في هتاف واحد ذلك ان قضيتا واحدة وامتنا واحدة ومصيرنا واحد وما قدمنا من بلادنا الا لنصرة اخواننا .
عبر بنا القطار قناة السويس فوق كوبري الفردان بالقنطرة شرق . ودخلنا في صحراء سيناء واستمر بنا القطار يطوي تلك الصحراء ونحن ننشد ونمرح كأننا في عرس وكانت تلك اللحظات اسعد لحظات حياتنا مليئة بالفرح والبهجة. توقف بنا القطار قليلا في اول محطة في سيناء وهي القرش , ثم تحرك بنا منطلقا صوب الشرق وتوقف مرة اخرى في محطة الرمانة. اذ شاهدنا عرب سيناء وهم في زيهم العربي الاصيل وقد تزود القطار في تلك المحطة بالماء والوقود واستمر في سيره لمدة ساعتين وكان الوقت قبيل الغروب عندما وصل الى مدينة العريش على شاطيء البحر المتوسط وهي مدينة جميلة تحفها الاشجار من كل جانب وتعتبر هذه المدينة هي اخر محطة لنا حسب تعليمات قائد الكتيبة. نزلنا على الفور من القطار ولم نجد الا نفر من الجند المصريين سرنا وراءهم في طوابير غير منظمة سيرا على الاقدام مارين بشوارع قصيرة ضيقة حتى وصلنا الى معسكر اعد من الخيام والاكواخ التي شيدت من الخشب المربعة الشكل يتوسطها فناء تحفه الاشجار من كل جانب .
وصلت ايضا الى هذا المعسكر المجموعة الاخرى بواسطة السيارات الناقلة للجنود بعد ان عبرت قناة السويس عن طريق المعديات الخاصة بنقل السيارات . بتنا ليلتنا في ذلك المعسكر في هدوء وطمأنينة واتيقظنا صباحا باكرين في جو منعش ورطب تتخلله اصوات امواج البحر وهذا يذكرني بأحد المجاهدين المسنين وكان شاعرا شعبيا اسمه عبد الخالق الصابري اذ ذكر عبارة لازلت اذكرها وهي : قوموا يا والداه وصلتم وادي العريش وماه واتبع ذلك بالعديد من الابيات الشعرية سر بها الجميع وطلبوا منه المزيد واتذكر ايضا من قصائده الحماسية قصيدة يقول في اولها :
جرد جيش من ليبيا شبابا خيرة
عامد اوهام القدس ومواكيره
قضينا ذلك اليوم متجولين في المدينة واسواقها الشعبية التي تشبه الاسواق الليبية ايام الحرب اذ تباع البضائع في الشوارع على الارصفة وليست في الدكاكين ولشد ما اثأر دهشتنا اننا اثناء تجوالنا خلف شارع السوق الرئيسي بالمدينة , شاهدنا معسكرا كبيرا خيامه مبعثرة هنا وهناك وتبدو عليه حياة البؤس والشقاء تحيط به الاسلاك الشائكة مما دفعنا الى السؤال عن ماهية ذلك المعسكر فأخبرنا بأنه اول معسكر للفلسطينيين اللاجئين يغص بالنساء والاطفال والشيوخ . انه منظر مؤلم حقا فأي مأساة واي مفاجأة كانت تلك المفاجأة السيئة انه مشهد حزين.قفز سؤال الى ذهني اهكذا يعيش شعبنا في فلسطين؟ هل خبأ لهم القدر مأساة تنتظرهم.
عدنا الى المعسكر ووجدنا قائدنا في انتظارنا قلقا معربدا جمعنا على الفور وصاح في وجوهنا اين كنتم؟ ومن سمح لكم بمغادرة المعسكر ؟ ولكننا ذكرناه بأنه لم يكن معنا فب الليلة السابقة ولم يصدر تعليمات تمنعنا من الخروج من المعسكر ولكنه كان هاديء الطبع وطلب منا ضرورة الالتزام والتواجد في المعسكر انتظارا للاوامر بالتحرك الى اية وجهة تحدد لنا.
كان التزامنا بتلك الاوامر يعني التزامنا بالانظباطية العسكرية التي تعود الفرد على النظام واحترام الغير ومنذ ذلك اليوم لم يغادر المعسكر الا عدد قليل في بعض الاحيان . يذهب الى السوق لشراء الحاجيات الضرورية . ولكن شيئا كان يؤرقنا ليلا ويؤلمنا وهو عدم وجود السلاح بين ايدينا والاسئلة تدور في اذهان الجميع لماذا لم يسلم الينا السلاح حتى الان؟ والى متى سيستمر هذا الوضع؟ وما السبب يا ترى؟ خاصة بعد ان تبين لنا وجود مخازن عديدة للاسلحة والذخيرة والعتاد الحربي في مدينة العريش تابعة للجيش المصري والذي كان ينتشر في خط عرضه ثمانية واربعين كيلومترا بين مدينة العريش وابي عجيلة. فقد ساورتنا افكار وراودتنا اوهام خاصة بعد ان شاهدنا ما يعانيه اللاجئون الفلسطينيون القادمون من يافا. كما شاهدنا ما يجري في معسكر مصري مجاور لنا اذ انه اثناء طابور المساء وبعد قراءة الاوامر كان الهتاف ."" يعيش فاروق ملك مصر والسودان "" يرددها الضابط المناوب ثلاث مرات ويرددها معه الجنود المصطفون في وضع سلام سلاح , فما الخطب ياترى؟ هل القضية قضية الملك فاروق والولاء له ام القضية قضية وطن يراد سلبه وتمزيقه ؟ قضية شعب يطرد من دياره.
كل تلك الشواهد جعلت الشك يحوم حول القضية بأسرها فكان ظننا على اقل تقدير ان شيئا يدبر في الخفاء والايام القادمة كفيلة بأن تسفر عنه.وفي تلك الاثناء حضر قائد كتيبتنا برفقة ملازم مصري يدعى زغلول وقال هذا الاخير باللهجة المصرية " اجمع انت وهو وهو " سريعا الى طابور الهتاف ولكننا قابلنا ذلك الامر بالرفض التام اذ اننا لسنا جنود نظاميين في جيش فاروق حتى نهتف له بل اننا متطوعون من اجل فلسطين ومن الناحية الرسمية تابعون لجامعة الدول العربية وليس للقيادة المصرية , غضب الضابط المصري وقال في عصبية ان ما فعلناه هو امر خطير وانه سيرفع تقريرا الى حاكم المنطقة العسكري وانصرف مسرعا بينما بقى الضابط السوداني قائد المجموعة واقفا في مكانه يبدو عليه الخوف والارتباك وهو في ذلك معذور اذ انه هو الاخر ضابط في جيش فاروق كما يسمونه.
وقلنا له على الفور بأن يترك الامر بيننا وبين حاكم المنطقة فهو من شأننا.
بتنا ليلتنا نتشاور في الامر واقترحنا الرد الذي سنوجهه الى حاكم المنطقة في حالة حضوره الينا.
وفي الصباح حضر الى المعسكر الحاكم العسكري ويدعى الوردياني محمد زكريا 43

Tuesday, May 23, 2006

الجزء الثاني من برقة الهادئة للجنرال جراتسياني



وبواسطته , بينما نتمسك بأجبار السنوسيين على حل تنظيماتهم العسكرية الموجود بالجبل ونقترح تكوين معسكرات مختلطة بين السنوسيين والايطاليين وتظل هذه المعسكرات بموجب الاتفاق الجديد دائمة الى حين ان تسود سيطرتنا –يعني الايطاليين_ على كل البلاد من اقصاها الى اقصاها ونتمكن من استلام مقاليد الامور جميعا من ايدي السنوسيين دون احداث أي خطر او صدام يعكر جو النظام السائد ولقج اتضح انه بموجب الاتفاق الثاني مع السنوسيين انهم بدأوا يتخلصون من التعهدات التي اتفق عليها في اتفاقيه الرجمه بحيث يطولون الحوادث التي اختلقوها دائما وفي صالحهم, زد على ذلك انه حدث وفي الشهور المتتالية في منطقة سرت بين رؤساء اتلقبائل البرقاوية والطرابلسية واتفق فيها على المناداة بادريس السنوسي بأسم امير ليبيا وقد قبل هذه المناداة ولكن الحوادث بدأت تتغير في ربيع وصيف عام 1922م ووقعت اعتداءات من طرف بعض المسلحين هنا وهناك ومن اهمها تدمير محطة الاسلكي التابعة لبعثتنا في الزويتينة وبعدها تعين الكومندتور بكاري بدلا من دي مرتينو هو الذي رفع الى روما مجموعه من الخيوط المخادعة وكان بكاري يعتقد انه بعدما دفع مليونين من الفرنكات او ما يزيد عنهما للامير ادريس فلم يتغير الحال ولم ينفذ ادريس السنوسي اتفاقية الرجمة وهي حل المعسكرات في الجبل وسحب السلاح.
ومن حسن حظنا , ان قامت الثورة الفاشيستسة في 28 اكتوبر 1922م واستلمت حكم البلاد وقام وزير فاشيستي للمستعمرات وهو فيدرزوني فدعا سريعا الى روما الكمندتور بكاري وبعده قام بالاعمال الجنرال دي غاسبيري وعين بعده الجنرال بون جواني اول حاكم فاشيستي للمستعمرات و منذ هذا التاريخ يناير 1923م بدأ نشاط الحكم الفاشيستي في برقه.....





قطع العلاقات مع السنوسيين والاعمال العسكرية المتتابعة حتى نهاية 1928م
اختارت الحكومة الفاشيستية رجلا ذا سلطة مثل الجنرال بون جواني ليحكم برقةويجعلها تحت سيادتنابحيث تسود سلطتنا واعتبارنا , هذا التعيين وهذه العبارات الجافة التي كان يصرح بها الجنرال في خطاباته ...جعلت السنوسية تفكر في الصراع القوي الذي سيحدث قريبا بينها وبين القوات الفاشيستية , التي اخذت في الاستعداد لخوض المعارك المقبلة وعلى ضوء هذه الاعتبارات بداءت قوات الثوار وعلى راسهم عمر المختار في الاستعداد لخوض المعارك ومواجهة اسوأ الاحتمالات وكان هذا العمل نتيجة لحل المعسكرات المختلطة بأيطاليين وليبيين وفي 6مارس عام 1923م اعلم ادريس السنوسي محمد الرضا –القائد العام- انه راى من صالحه ان يؤمن على نفسه فذهب الى مصر بعد ان حمل معه الملايين التي جمعها ولانه لم يستطع اقناع المجاهدين بحل معسكراتهم وتسليم اسلحتهم تنفيذا لاتفاقية بومريم ولهذا فأنه من المستحيل مرة اخرى ان يسود الوئام والتفاهم مع السنوسي ادريس رغم اجاباته المضلله ولكن في 6مارس 1923م بحركة مفاجئة من قواتنا وفي وقت واحد قمنا بحل المعسكرات المختلطة , وهي معسكرات الابيار وتاكنس وسلنطة والمخيلي وكذلك المعسكر المسلح المستقل في عكرمة ....
واكثر العساكر اسروا وبعض آخر قتلوا , وفي اليوم نفسه القى (صاحب السعادة) بون جواني خطابا في افتتاح دورة الربيع ((للبرلمان)) البرقاوي , وضح فيه موقف السنوسيين الخسيس الغير مخلص, وكذلك اعلام الاعضاء (في البرلمان) بالمواقف والاعمال العسكرية التي قامت بها الحكومة في احلال النظام واحترام القانون والتعهدات.
ومن هذه اللحضة وبدون امهال ستسمر العمليات العسكرية لاسترجاع مراكزنا , مكبدين العدو ((يعني المجاهدين)) خسائر فادحة دافعين به حتى الدواخل في الاماكن النائية في الواحات البعيدة وهكذا في 21 ابريل 1923م وهي ذكرى مولد مدينة روما دخلت قواتنا المنتصرة مدينة اجدابيا عاصمة الامير ادريس وقلعة السنوسيين الحصينة وفي يوم 24من الشهر نفسه اعلن صاحب السعادة الوالي بون جواني بخطاب مهيب سقوط كل الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة بين ايطاليا والاخوان السنوسيين من معاهدة الزويتينة الى اتفاق التعايش بعكرمة الى معاهدة الرجمة وبومريم ... وكذلك معها كل الامتيازات والانعامات الممنوحة للعائلة السنوسية ...وباحتلال اجدابيا استمرت الاعمال العسكرية في جنوب بنغازية واحيانا تكون مقرونة بهزائم موجعه ومفجعة مثل هزيمة بئر بلال ومرسى البريقة وتفاخر الليبيون بهذه الانتصارات وقاموا بتوسيع معسكراتهم للمعارك القادمة...
وفي خريف 1923م انتقلت حركة القتال الى الجبل الاخضر وهنا ظهر عمر المختار على ميدان القتال وكثر اتباعه من الذين كانوا تحت سيطرتنا...


الاعمال العسكرية اثناء عامي 1924-1925م
كما شرحنا سابقا عن السنوسيين ورؤساء الثوار تأكد عندنا في جنوب بنغازي وفي سرت انهم اختاروا معسكرا اسموه (فوق الجبل ) لاعمالهم العسكرية أي جبل العواقير والجبل الاوسط الذي يصعب الوصول اليه لتنفيذ عملياتنا العسكرية ومراقبة حركة الثوار والجماهير على حد سواء .
هؤلاء الثوار كونوا دورين(معسكرين) قويين ومنهما تنطلق الدوريات (القاراقولات) ومهمتها الاغارة على مراكزنا والاطلاع على حركاتنا العسكرية وكذلك الضغط على القبائل الخاضعه لحكمنا لكي تنظم اليهم.
في السابق كانت قواتنا ضعيفة لم تستطع ان تفرض سيادتها على الارض فتحركت قوات الثوار طليقة اليد ... تتصرف في صفوف الشعب وتسحبه الى جانبها رغم اخلاص البعض منهم الى حكومتنا –يعني الحكومة الايطالية- وبعد ان وصلت القوات المكونة من الفرقة الثالثة والحادية عشرة من الاريتريين وفرقة سادرا الايطالية من طرابلس بدأ التحرك التمهيدي للعمليات العسكرية ضد دور العبيد والبراعصة...
وفي اوئل مارس 1924م كانت الحالة في الجبل كما يلي:-
أ‌- دور العبيد
هذا الدور قوي ويتكون من 800 مقاتل ومخيماتهم تقع قرب (بوقال) تحيط بهم غابات كثيفة في ام الجوابي والمسلحون بها يمتلكون الف وخمسمائة بندقية..
ب‌- دور الراعصة
يقع بالقرب من جردس الجراري ويتكون من 450 مسلحا ينظم اليهم 600 اخرون مخصصون للدفاع عن المخيمات او النجوع بأعتبارهم مسالمين ولكنهم ينظمون عند الحاجة الى الثوار كمدد للدور عند الهجوم عليهم من قبل قواتنا العسكرية
ج- فصيلة الحاسة
هذه الفصيلة تتكون من 150 مقاتلا بالقرب من مراوة
د- دورية مستقلة (درسة)
هذه الدورية تتكون من 150 مقاتلا في ارض المرج
ه- دور العواقير
هذا الدور مركزه في منطقة الشعفة ولم يعرف عدده بالضبط فهو اكبر الادوار المقاتلة .. وحدوده من الحمدة شرقا الى سيدي سلطان غربا..
كل هذه التنظيمات من وضع عمر المختار الذي يعتبر محيي ومرتب الثورة ضد حركتنا وقواتنا مع قوة الشعب وعددها 3000 مقاتل اعدها لمقاومتنا...
ولكن الانتصارات القليلة ضد دور العبيد اولا ثم دور البراعصة واخيرا ضد دور العواقير جدد انهاض الروح المعنوية تجاه الحكومة والشعب على السواء..
واثناء حكم الجنرال مومبللي الذي خلف الجنرال بون جواني في حكم المستعمرة واصل تنفيذ خطة سابقة فأحرز تقدما طفيفا على طول الخط وواصل المناورات مع حامية جردس جراري وخولان وعلى منوال العمليات ضد البراعصة والحاسة والادوار الاخرى برزت قواتنا فجاءة في الاماكن البعيدة مثل السروال والشعفة ودمرت كل المعسكرات هناك واستحوذت على عدد كبير من المواشي والاغنام واثر ذلك في الحقيقة تأثيرا كبيرا على المستعمرة كلها فالشعوب بداءت تفهم الى أي دمار تتجه وما هي العاقبة التي تعود عليهم بالاستمرار في الثورة وكذلك السلطات الايطالية بداء الخوف يتسرب اليها من ناحية الثوار ولا شك بعد هذه الحوادث لابد لهم من الانتقام سواء من الثوار او من الذين يدعون انهم مسالمون لان اكثرهم لايرغب ابدا في التفاهم مع السلطات الايطالية .. لانهم يعتبرون انفسهم جميعا ثوارا(مجاهدين).
احداث سنة 1926م
تميزت سنة 1926م ببعض العمليات الحربية فوق الجبل الاخضر ومن اعظم العمليات احتلال واحة الجغبوب التي اعترف بتبعيتها في الاتفاقية المبرمة سنه 1920م بين ايطاليا وانجلترا ولكن تدخل الحكومة المصرية اجل احتلال الجغبوب في سنة 1926م حيث تم الاتفاق مع الحكومة المصرية بداءت قواتنا تستعد لاحتلالها واقترح ان يكون ذلك على ثلاث مراحل متتالية بعد استكمال التجهيزات الازمة من الماء والمأكولات والمعدات وبعدها تتحرك قواتنا بكاملها من البردية وامساعد وفي نفس الوقت يجب ان نضع خطة شبه هجومية في منطقة الجغبوب ولذلك يجب وضع اربع كتائب متحركة تراقب حركة الثوار وجعلها تحت الرقابة المستديمة بحيث يمكن لهذه الكتائب ان تلتحم مع الثوار في أي لحظة . الامر الذي جعل عمر المختار لايقتطع أي جزء من قواته لارسالها الى الجغبوب بل جعل كل قواته متهئية للدفاع عن مراكزها نظرا لتحرك كتائبنا وتهديداتها لادوار البراعصة والحاسة والعبيد.




احتلال الدجغبوب
في منتصف الليل من يوم 30يناير 1926م بدون تأخير ومن غير حوادث تحركت حملتنا بقيادة الكولونيل رونكتي من امساعد وتتكون الحملة من 91ضابطا و731 جنديا وطنيا _يعني جنديا ايطاليا- و1646 عسكريا اريتريا وصوماليا ومحليا من هذا العدد تكونت الفرقتان التاسعة والعاشرة الاريترية و36 مدرعة آلية اثنتان منهما هجومية و205ناقلة جنود ميكانيكية و115 دابة من ابل وخيل وبغال و4مدافع جبلية نوع 15 و60 مدفعا رشاشا..
هذه القوة تهيأت من اجل احتلال الجغبوب لما لهذه الواحة من اهمية كبرى لانها نقطة تجمع سياسي واقتصادي ..وعن طريق هذه الواحة تصل الامدادات الى الثوار وكذلك التجارة مع القطر المصري ...فكان احتلالها ضروريا لكي نقطع هذه الامدادات ويمكننا التغلب على الثوار وفعلا تم احتلال الجغبوب يوم 16 فبراير 1926م حيث لم تجد قواتنا مقاومة عنيفة فقد سلم سكان الواحة ورفع العلم الايطالي على زاوية الجغبوب وقامت قواتنا بتطهير المنطقة فأرسلت الدوريات المسلحة للتفتيش عن الاسلحة ونزعها..





الفصل الثاني
غصن الزيتون
العمليات العسكرية في طرابلس على خط العرض 29 التي جرت في الثلاثة اشهر من سنة 1928م نتج عنها احتل النوفلية وبونجيم وسوكنة وهون وزلة وبالمعركة النهائية في بير تاقرفت 25 فبراير 1928م تم بعدها احتلال سرت والجفرة وبالتالي في منطقة القبلة كرمة بوجرة في 12يوليو 1928م وبعدها في بير عافية 28-10-1928م التي وصلت فيها حالة البؤس الى ذروتها وانكسرت كل المجهودات التي بذلها رؤساء الثوار في اقناع القبائل الرحل لكي ينقلبوا على السلطات وينظموا الى الثوار ولكن انتصاراتنا واحتلالنا للجفرة جعل اولئك الرحل يترددون في الانظمام للثوار . بعد احتلال لواحة قرياط 15-7-1928م الاحقة لانتصاراتنا في ابوجرة اصبحت رقابتنا لتلك المنطقة وفي قلب القبلة تامة...ولكن الحالة لازالت دقيقة تتطلب عينا يقظة وانما القصة قصة نزع السلاح من القبائل الرحل تلك القصة التي اتعبت الولاة السابقين فولبي ودي بونو يقول غراتسياني حاولت انهاءها بالهجوم على قرياط والطابونية في صيف 1925م والتي نجحت من ناحية واخفقت من ناحية اخرى بسبب تخوف القيادة الايطالية من هذه المنطقة المجهولة لذلك كان حقيقيا وموضع شك في نفس الوقت ان الليبيين الرحل لايسلمون باشارة من الحكومة الايطالية لاعتزازهم به واعتبارهم له مصدر لقوتهم ولهذا يفضلون الثورة ويتوغلون في الصحراء ويموتون هناك في فزان وغيرها دون ان يسلموا اسلحتهم بل يعتبرون انفسهم اصحاب القضية الوطنية دون غيرهم...
ويقول غراتسياني كان هذا الموقف عسيرا بالنسبة لنا لانه يمنعنا من الاستقرار في الاراضي الشمالية وكان كذلك متعبا لو استعملنا القوة فلا نستطيع ان نسيطر على تلك الصحراء الشاسعة وهي الحمادة التي قمت باجتيازها عندما بداءت في ارتقاء اول عقبة الجبل 1922 م وامام هذه المشكلة الصعبة التي تجرنا الى النزول الى ميدان فزان بحيث يمكننا ان نضمن خلفيتنا ونطئن على ظهرنا .
كل الحوادث والانقلابات التي حدثت في سنه 1915م كانت صعبة وثقيلة جدا بالنسبة لنا لانه في ذلك الوقت كان يطلب منا ان نتحرك بكل دقة وبخطوات وئيدة جدا بحيث يمكن في الوقت المنايب ان نوجه ضربتنا الاكيدة ..
ان الحالة العسكرية والسياسية في طرابلس هي عند نقطة التوقف يجب ان نخرج منها بشجاعة لنبدأ في التحرك وان مشكلة المعركة كانت تتطلب الاعمال الاتية:-
1- نزع السلاح من القبلة (الجنوب).
2- احتلال فزان من جديد.
3- اما في برقة فعمليات خط العرض 29 لاحتلا واحات العقيلة واوجلة ومرادة وجالو .
هذا العمل اعطانا ملكية ومراقبة ما وراء اراضي سرت وتبقى مشكلة الجبل التي يوجد بها عمر المختار ورغم الضغوط التي تعرض لها في عمليات سنة 1927م وسنة 1928م فما زال قائما بسلاحه في وجهنا وهذا يتطلب منا احتلال واحة الكفرة.

تعيين الفريق بادوليو حاكما عاما على طرابلس وبرقة
في شهر يناير 1929م تعين صاحب السعادة دي بونو وزيرا للمستعمرات وكذلك تعين الفريق بادوليو حاكما عاما لحكومة طرابلس وبرقة وفي تصريحه للقوات العسكرية قال ان جمع الحكومتين طرابلس وبرقة في حكومة واحدة اقتضته عمليات خط العرض 29 لحل مشكلة الحرب فبالقيادة الواحدة نتمكن من حماية مضمونة وملموسة لتحقيق اغراضنا وهي ان تكون النتائج في صالحنا.
البيان السلمي للفريق بادوليو- على حد تعبيره
بمجرد ما وصل المارشال بادوليو الى طرابلس القى بيانا هاما للمستعمرين في طرابلس وبرقة بين فيه السلم وسخاء الدولة الايطالية بحيث تعفو عن المهاجرين والمشردين خارج البلاد على ان يخضعوا للحكومة الايطالية ويسلموا اسلحتهم والدولة تضمن لهم الحياة والعمل.
وقال اذا كانت كلمة السلام لم تقبل او لم تحتضن فستكون بعدها حرب من غير قاعدة لاهوادة فيها , حتى نقضي القضاء المبرم على كل الثوار وقال: لاجل ان يسود السلام في المستعمرات يجب قبل كل شيء احتلال البلاد احتلالا كاملا وبجانب كلمة السلام هناك القوات والسلاح جاهزة لتنزل الى الميدان مهما كان الامر , وطبع هذا البيان في منشورات والقيت من الطائرات في كل مكان من القطرين الطرابلسي والبرقاوي...

********

الفصل الثالث
الفأس والقضبان


فشلت كل محاولات السلام بسبب جشع وسؤ نية السنوسيين ولكي نحافظ على هيبتنا وكرامتنا لابد من اتخاذ الاحتياطات الازمة ووضع خطة جذرية وقوية لاكتساح العدو نهائيا..ومن هنا ندخل في الطور الثاني من منشورات الجنرال بادوليو بعد فشل الطرق السلمية وهذا الطور يقول حرب دون أي قاعدة...ومتابعة الثوار (المجاهدين) اينما حلوا حتى القضاء على جميع قواتهم في برقة بأسرها.
تعييني في برقة
يوم 11-1-1930م بمنطقة ام الارانب بفزان وصلني الخبر بأني تعينت نائبا للحاكم العام في برقة وقد طلب مني الحاكم العام متى ومن اعين ليقوم مقامي في قيادة قوات الجيش المتحركة لاستلم اعمالي الجديده في برقة .. ومن مشايخ زويلة (شلالة القديمة) الذين خضعوا وسلموا اسلحتهم للحكومة منذ ايام قلائل علمت ان عمر المختار عازم عاى استنئاف القتال وهذا دليل على ان السنوسية قائمة بدعاية واسعة النطاق من اجل توحيد الجبهة والرفع من معنويات المقاتلين في منطقة فزان حتى تتوحد الجبهة الثورية.
وصلتني برقية من المارشال بادوليو يوم 9-1-1930م وانا في اعلى قمة القتال والاعمال العسكرية لان مجموعة فراري اورسي قد زحفت ذلك الزحف العظيم الى واو الكبير وكنت اعلق عليها امالا كبارا تتوقف على نتيجة الحملة.
لقد جاوبت على الفور رغم اني كنت فخورا بهذا العمل الجديد غير ان تعلقي بنتيجة المعركة النهائية كرجل عسكري يعتز بجنديته وقلبي المتعلق بالنتيجة يفرض ان ابقى الى النهاية التي اعتقد ان تكون اخر فبراير سنة 1930م ليرتاح ضميري وروعي من هذه الناحية ولكي اتفرغ للمعارك المقبلة التي تنتظرني هناك في برقة.
وفعلا رد المارشال بادوليو ان تكون اعمالي في برقة بعد انتهاء الاعمال العسكرية في فزان وانتهت هذه الاعمال كما كان مقدرا حسب الخطط الموضوعة بأحتلال واحة غات 25-2-1930م في نفس اليوم غادرت فزان على متن الطائرة نحو الشمال الى مدينة طرابلس فوصلت اليوم التالي 26-2-1930م.
ان الاعمال العسكرية استمرت ثلاث اشهر تماما قضى فيها على كل المجاهدين (الثوار) واحتلت فيه كل منطقة الجنوب وهربت البقية الباقية الى ناحية الكفرة شرقا والجزائر غربا ويوم 8-3-1930م غادرت طرابلس بعد 9سنوات في عمل متواصل ولم اكن في يوم من الايامن قد نسيتها وحين غادرتها احسست في قرارة نفسي بشعور الفراق للارض التي عانيت فيها الكثير من الالام والهزيمة والانتصار . كم مرة شعرت فيها بأن اعصاب الجماهير تتوتر وتشتد ولكن بالاجتهاد عرفت كيف اتغلب عليها.. وها انا متجه نحو تهعب جديد.ونحو كفاح مرير, واضعا حظي على كفة القدر هناك في برقة ...ولكني لم استسلم لهذه العواطف وتغلبت على احساسي , وكتمت توجعي من هذا الفراق ورجوعي مرة اخرى لحياتي العسكرية ...والتزمت بان ابذل جهدي واجتهادي في تحديد كل شيء يخص الوضع امامي ..والذي سوف اواجهه في مهمتي الجديدية التي سوف اكرس من اجلها كل ايمان وطاقة وحماس ..وامام الحشود الكبيرة التي كانت على رصيف ميناء طرابلس ’ تعود في بهاء ليلة من ليالي افريقيا التي تحن لها روحي لتعيد ذكريات الف ليلة , قضيتها هناك بين التفاؤل والتشاؤم والقلق والعذاب , فوجدت نفسي وحيدا على سطح السفينة التي تحمل معي تلك الذكريات التي تختنق في حلقي وداخل قلبي , وعندما خرجت من السفينة من ميناء طرابلس متجه الى ايطاليا , جالت في خاطري هذه الكلمة , كلمة الوداع.......
""وداعا طرابلس... ارض آلامي وعذابي , غير انه تبقى في روحي وادخل نفسي ذكريات كل حجر مرتفع في جبالك وفي صحرائك الواسعة , ولكن لن ينطفيء ابدا المي وعذابي من اجل افريقيا وانت يا طرابلس "" .
وفي روما كانت تنتظرني الاحتفالات التي يطمح اليها كل جندي مخلص امين يحظى برضا وتصفيق الزعيم الدوتشي .. ولقد نلت هذا وصفق الزعيم ومجلس الامة الايطالي لي في جلسته بتاريخ 21-3-1930م , هذا الاحتفاء وهذا الرضا كانا اعظم مكأفأة في حياتي , فقد جددت في نفسي حب العمل والتضحية في سبيل الواجب الكبير الذي ينتظرني في افريقيا بجسم متعب بألاعمال التي تحملتها في الماضي , ولكن بالروح والقلب الحريص والحاضر للعمل .. وبعد ان استلمت التعليمات العليا سافرت بالسفينه الى برقة... ويوم 27-3-1930م وصلت الى ميناء بنغازي التي كنت غادرتها سنة 1914م , خلال الحرب العالمية الاولى وكانت رتبتي آنذاك ملازما اول في الجيش الايطالي ...
التعليمات:
ان التعليمات التي صدرت عن رغبة الزعيم الدوتشي , وقسمت ونظمت من قبل صاحب السعادة دي بونو والمارشال بادوليو , فبينوا فيها تصميم الحكومة الفاشية على القضاء المبرم على الحركة الوطنية(الثورة) مهما كلف ذلك وبكل الطرق والوسائل , لانهاء القضية البرقاوية. وهذه التعليمات هي:
1- تصفية حقيقية لكل العلاقات بين الخاضعين وغير الخاضعين من الثوار سواء في العلاقات الشخصية او الاعمال والحركات التجارية.
2- اعطاء الخاضعين لنا امنا وحماية ولكن مراقبة لكل نشاطاتهم.
3- عزل الخاضعين عن أي تأثير سنوسي ومنع أي كائن منعا باتا من قبض أي مبالغ من الاعشار والزكاة.
4- مراقبة مستمرة ودقيقة في الاسواق وقفل الحدود المصرية بكل صرامة بحيث نمنع أي محاولة تموين لقوافل العدو.
5- التنقية – بنظام – في الاوساط المحلية التي توجد بها عناصر تدعي الوطنية ابتداء بالمدن الكبيرة وخاصة مدينة بنغازي.
6- تعيين عناصر غير نظامية من الطرابلسيين لكي يكونوا قوة مضادة للمجاهدين وتعني بتطهير الاقليم من كل تمرد او ثورة.
7- حركة دقيقة وخفيفة لكل قواتنا المسلحة في المنطقة , لخلق جو مذبذب ضد كل الادوار والمعسكرات والضغط عليها حتى تتكبد الخسائر وتشعر بأن قواتنا موجودة دائما وفي كل مكان مستعدة للهجوم.
8- الاتجاه سريعا للاحتلال الكامل لكل اراضي مستعمرة الكفرة.

وفي حالة مخالفة هذه التعليمات هناك الحرية المطلقة في الاعمال وموافقة تامة من الرؤساء المرتاحين الى ضمان نجاح الخطة الموضوعة , وتنفيذها عند اللزوم اولا باول..ولن تكون هناك نماذج قد تخطيء ولم يكن هناك برنامج موضوع او تنظيمات ..وقائية وانما اجتهاد من كل الاطراف وتعاون اكيد من اجل النتيجة النهائية, وهي القضاء المبرم على كل الثوار اينما كانوا وهذا هو المهم.
في سنة 1914م,
تركت بنغازي في بداية احتلالنا الاول فكانت مدينة معدمة تركية عربية ...اما الان فوجدتها مدينة جميلة في تقدم عمراني مزدهر ومرت عليها مسحة من المدنية, ولكني فوجئت بكتل بشرية جامدة جرى في اوصالها سم السنوسية منذ عشرين عاما نتيجتها عكس ما كنت احلم به واتصوره...

قوات المجاهدين وتنظيماتهم العسكرية:
المسلحون (الثوار) , ينقسمون الى ثلاثة تجمعات (ادوار) وكل دور منها يسمى بالقبيلة التي تموله وتمده بالرجال والاسلحة وكلمة دور او ادوار تعني المعسكر او المعسكرات التي يتجمع فيها الجنود والاسلحة والمؤن ... اما التحركات فهناك قيادة عليا هي التي توجه القوات للقتال في كل المناطق , وان اكثر جنود الثوار من نفس القبائل لاننا اكتشفنا في حوزة كل قتيل او اسير بطاقة شخصية معطأة لهم من المتصرفيات المختلفة .. وهذا دليل واضح على ان سكان المدن والقرى يتعاونون تعاونا وثيقا مع كل الثوار (المجاهدين) لان الادوار لم تستقر في مكان معلوم بحيث يمكننا ان نوجه قواتنا نحوهم , فهم يملكون الابل ويتوغلون في الجبال والشعاب المختلفة المجهولة , وهذه التحركات تساعدهم ان يختفوا عن انظارنا ويصعب على قواتنا ان تسلك مسلكهم . وهناك في الغابات الكثيفة ينقلون المؤن والذخيرة والاطفال والنساء , وكذلك الدواب والاغنام والخيام يضعونها في مأمن بعيد عن الاعتداءات.. وفي بعض الاوقات تتحمل نساء الثوار(المجاهدين) مشقة القيام مع ذويهن في النواجع وفي المدن تحت خطر الوشاية بهن فيتسللن فيما بعد الى المعسكرات ويقمن بتضميد الجرحى من الجنود وعند الاحتكاك بقواتنا يقمن بمد المقاتلين بالمياه والذخيرة , وعندما يشتد القتال يقمن بحشو البنادق بالذخيرة بحيث لا يضيع المقاتل وقته في حشو البنادق وينقلن الجرحى الى المخيمات للعلاج والتمريض , ثم قيادة قوافل الابل لحمل المياه والمؤن للمقاتلين في المدن.
وفي كل دور مقاتلون فرسان يمتطون خيولهم والبعض الآخر راجل , علاوة على حاكم يسمى قائمقام الاحوال المدنية .. وهناك القاضي الشرعي وممول الجنود والضباط برتبة ضابط ... وكل الادوار الموجودة فوق الجبل تخضع لقائد واحد هو المعروف لدى جميع القبائل ...."" عمر المختار"""الذي كان يسمى ويوقع الاوامر والمنشورات باسم النائب العام وعلى العموم فهو قائد حركة الثوار وحسب اعتقادي فليس عمر المختار بالرجل الذكي الخارق للعادة كما يقال عنه! ولكن بجرأته استطاع دائما ان يفلت من الحصار الذي كنا نحيطه به دائما, وعمر المختار رجل بدوي مثل الآخرين ليس مثقفا وليس له فكرة في ان يتطور ...بل متزمت فوق اللزوم , وكان يعتمد على الشيخ الفضيل بوعمر في كتاباته ومراسلاته السياسية والاجتماعية . وبعد وفاته اعتمد على يوسف بورحيل في جميع هذه الامور(1).
وقد اطلعنا على هذا سلك المخابرات , معتمدا على خبراء محليين بقولهم ان عمر المختار يختبيء هو وجماعته من المجاهدين بين الادغال الكثيفة, ولم يجرؤ ان يقابل قواتنا وجها لوجه وحين يشعر بقواتنا تضغط بشدة , وتكاد ان تقبض عليه يلجأ للهرب والتوغل في الدواخل , ولكن رغم ضرباتنا القوية التي نوجهها له ونقتل الكثير من اتباعه , فأنه كان دائما قويا ومستمرا في ثورته ودائما يسد الفراغ الذي نحدثه في صفوفه بعناصر شابه اخرى, زد على ذلك تمكنه من الحصول على البطاقات الشخصية لاتباعه من جميع متصرفياتنا , فعندما تقبض دورياتنا على أي شخص تشتبه فيه تجده يحمل البطاقة الشخصية بأنه خاضع لحكومتنا فنضطر لاطلاق سراحه .. وهكذا في كل الامور فأن الثوار المجاهدين يتجولون في المدن والقرى , يشترون ما يلزمهم من ملابس ومأكولات وسرا الاسلحة., وكذلك المعلومات عن تحركاتنا العسكرية و كل هذه الاعمال , يقوم بها اتباع عمر المختار وبمساعدة سكان المدن والقرى الذين يخفون الثوار في بيوتهم ومخيماتهم بحجة انهم من اقربائهم الخاضعين لسلطتنا , بينما في الواقع هم الثوار اعداؤنا . وقد سئل الحسن الرضا امام مشائخ واعيان مدينه بنغازي عن كيفية استمرار عمر المختار في الثورة رغم الخسائر التي لحقته من قواتنا فأجاب بأن اتباعه يتسللون الى المدن والقرى لشراء ما يلزم للمجاهدين حتى السلاح ينالونه بواسطة المجندين, والتجار الليبيون يقدمون المالية من ذهب وفضة وورق , واضاف الحسن الرضا : انه بعد انتهاء كل معركة يحصر عدد القتلى منهم والى أي قبيله ينتمون ثم يرسل الى هذه القبيلة ان تعوض عدد القتلى بعدد مساو آخر بحيث لا يحصل النقصان , وفعلا ترسل القبيلة العدد المطلوب مجهزا بكل شيء : ملابس , سلاح , مؤن..الخ.. والاغرب من كل هذا ان القبيلة اذا لم تجد العدد المطلوب تدفع لعمر المختار 1000فرنك عن كل قتيل من قبيلتها لكي يجند بها العدد الازم من المهاجرين او الخارجين الموجودين في القطر المصري.وكل محارب ومقاتل يمكن القول ان قبيلته هي التي تدفع تكاليفه لانه رغم تسليحه ومده بكل ما يحتاج اليه تدفع القبيلة كذلك الزكاة العينية او النقدية , هذا خلاف ما ينهبونه من الحيوانات والامتعة من السكان والاهالي.

(1)- هذا غير صحيح عن رجل شغل وظيفة شيخ زاوية بالسودان وزاوية القصور ببرقةوهو متفقه في الدين والعلوم وحافظ للقرآن الكريم .اما ان يختار من يعاونه في الكتابة فذلك راجع لكبر سنه..""المترجم".



ويسأل الحسن مرة اخرى ...ثم ماذا؟ ويجيب وهنالك علاقات اخرى من وراء الحدود الشرقية هي ان السيد ادريس وصفي الدين , يستقبلون المواشي والامتعة المنهوبة فيبيعونها ثم يشترون بثمنها مؤنا وامتعة وسلاحا , يرسلونها الى المجاهدين في الجبل رغم حراستنا المشددة على طول الحدود المصرية , ولكن التسلل دائما يحدث وبأستمرار ... وهذا ما صرح به الحسن الرضا السنوسي .
ان سكان الصحراء المصرية الملاصقة للحدود الليبية البرقاوية جلهم من الليبيين المهاجرين, لهذا يتعذر علينا مراقبة الحدود نظرا لبعدها الشاسع ووعورة اجتيازها كما ان هؤلاء الثوار سكان الصحراء معظمهم من كل القبائل:وقادة من الاخوان السنوسيين وبعض الهاربين من المتطوعين في جيشنا ولا ندري بعددهم قد يكونون عشرة الاف او عشرين الفا..وبعضهم او اكثرهم يعيشون في المدن مثل الفيوم –الاسكندرية-القاهرةوغيرها...هؤلاء يعملون بالتهريب وهذا يعود ضرره على برقة بصفة خاصة وعلى المستعمرة بصورة عامة لانها كلها تعمل خاصة لتمويل الثوار وكل الادوار الموجودة ببرقة.
ومن الاحصائيات المقدمة لنا من السيد سيلفيو سكو شيمارا تبين انه من اول يناير سنة 1930م وصلت بضائع الى ميناء السلوم بلغت 9823 طنا معظمها من السكر والشاي والارز والدقيق وغيرها بينما في سنه 1930م كان مجكموع البضائع الواصلة الى ميناء السلوم 6323 طنا , ولو نظرنا الى عدد سكان مدينة السلوم لعرفنا انه لايمكن ان يستهلك اكثر من 3500طنا من البضائع المختلفة في هذه السنة, وهذا بناء على الاحصائيات المدروسة من السيد سكوشيمارا نفسه وعليه فقد ثبت ان هناك تهريبا للبضائع الى دواخل برقة وهذه الدراسات جلبت انتباه السلطات الايطالية في عام 1930م , ان فرق هذه البضائع الذي يقدر بسته الاف طن كلها تهرب بواسطه القوافل الى ادور الثوار في برقة , هذا بالاضافة الى مئات الاطنان من البضائع تهرب من دواخل مصر عن طريق الصحراء الغربية(من المهاجرين الليبيين).
واذا اردنا ان يسود الامن والهدؤ في برقة يجب ان نطبق الاتي:
1- محاربة السنوسية وجها لوجه والعمل على عزل الشعوب عن تأثير السنوسية بكل الطرق .
2- استعدادات عسكرية دقيقة لمقاتلة الادوار بحيث نتمكن من الحصول على الارض المحكومة من هذه للادوار.
3- كذلك استعدادات سياسية اكثر رقابة على الخاضعين لحكمنا وتحديد طريقة تمويلهم بحيث لا يمكن امداد الثوار بالمواد الغذائية وغيرها ومراقبة الحدود الشرقية مراقبة جدية حتى نتمكن من القضاء على حركة التهريب .
4- نزع السلاح من كل السكان.
5- تخفيض القوات غير النظامية تدريجيا مثل الجنود المتطوعين المحليين (الليبيين) بحيث يمكننا ان نقضي على تسرب المؤن والسلاح والاموال الى الثوار ونحرمهم من هذا المورد الهائل الذي يهرب على حسابنا.
6- استعدادات قضائية وهي الحكم بالاعدام على كل من يخطيء من المحليين الليبيين مهما كان الجرم تافها وبالاخص ضد الهاربين , وذلك استنادا على القرار الصادر في 27-6-1929م يحث يخول الحاكم العام تعطيل كل الاحكام المدنية واصدار الاحكام على المجرمين من المحاكم نفسه, وكذلك يخول للحاكم العام ان يكون (المحكمة الطائرة) التي تنتقل فيها الى أي مكان لمحاكمة الثوار.
7- استعدادات اقتصادية ومواصلة الاعمال في انهاء الطرق التي رسمها الوزير والحاكم العام المارشال بادوليو , والتي لم تبدأ بعد من جراء العمليات الحربية.
8- ان شق الطرق حاجة ضرورية نتم بها سيطرتنا وعزتنا في المستعمرات , لان عمر المختار يرى في نفسه العقبة الوحيدة التي تمنع سير الاعمال في مشروعات الطرق الممهدة.
9- دراسة سريعة لكل ما يتصل بخيمات الخاضعين لسلطاتنا وطريقة اتصالاتها بالثوار التي يسميها عمر المختار (الحكومة الليبية).
الى ان يثبت حكمنا في المستعمرات ونعمل على ازدهارها(كذا!!), وتقدمها والتي ضحينا من اجلها بالكثير , ليس بالعمليات العسكرية البسيطة, بل بقوات اكبر وبكل الوسائل التربوية والاقتصادية والاجتماعية. وعندها سنعمل على التغلب على الثوار وتشكيلاتهم تدريجيا, وهذا واضح سواء في الماضي القريب او الحاضر, اسوة بالدول الاستعمارية الاخرى. فتجربتنا في القطر الطرابلسي وما يتمتع به من ازدهار ظهر لنا في الفترة من سنة 1921م الى 1930م بالحكم المطلق على الارض , فأصبح القطر الطرابلسي يسوده السلام والطمأنينة.
ان عمر المختار الذي اضفى على نفسه صورة الرجل الذي لايقهر واسطورة الزمن... يجب ان نعامله بنفس الطريقة التي استعملناها في القطر الطرابلسي , وهي قتله مع جماعته بالتدريج , وتضييق الخناق عليه في كل الميادين الى ان يخضع لسلطتنا ... او يباد هو وجماعته بالجوع والعطش وبالحديد وبالنار.

تنظيم اراضي المستعمرة وترتيبها من حيث المناطق:
في السنين الماضية القريبة , كان نظام حكمنا تقريبا مدنيا لان السلطات كانت في يد المتصرفين وكل منهم يعمل من ناحيته على انفراد , ويرجع في تصرفاته الى الحاكم العام, ولهذا فالجهود متفككة وغير منسقة في الاجراء , كل يعمل لحسابه وحسب معرفته, من اجل ان يجد الحلولو المناسبة لجميع قضايا المستعمرة ..وهذا هو السبب الذي ادى الى كثير من الخسائر والاغلاط الفنية...وحاولنا ان نتحاشى ذلك كل هذه السنين , ولكننا دائما نفشل في تحقيقها لان المتصرفين دائما كانوا يتمسكون بالقوانين الطبيعية, والمميزات الطبقية المتبعة في المستعمرات.
في سنه 1923م دخلت الحكومة في طور جديد, بحيث ترجع الى الوراء من اجل ان تضع نقطة انطلاق جديدة مرتكزة على مبدأين : السياسة الفاشيستسة والانظمة العسكرية .. ولكن هذه الحركة وهي الرجوع الى الوراء طبعا , ستحدث تضاربا في الانظمة العسكرية والمدنية, وكذلك في شؤون المخابرات التي كانت كلها مصدر صعوبات وقلق... فأذا اردنا ان نسير سيرا حسنا ونتغلب على هذه الحواجز والعقبات , لابد من ان نجمع كل هذه الانظمة او السلطات في يدا واحدة وهي السلطات العسكرية , حيث تكون مساندة للاعمال المدنية وشرطة المخابرات.
ان تجربة تسع سنوات في القطر الطرابلسي , علمتنا كيف نكون دقيقين في كل الاعمال والاحوال, وان نحسن التقدير بحيث تسير اعمال الحكومة حسب الخطة المرسومة . وبهذه الطريقة يمكننا من تلافي اخطاءنا بسهولة وبكل سرعة , ونتناسق في كل خطواتنا مادام هناك اخلاص في نوايانا من حيث اصلاح كل الاغلاط التي حدثت , او كادت ان تجرنا الى اضرار جسيمة وصعبة وغير مثمرة لصالح الجميع.
وفي مارس 1930م كانت هناك خمس متصرفيات وهي:
1- متصرفية العواقير
2- متصرفية المرج
3- متصرفية شحات
4- متصرفية درنة
5- متصرفية مرماريكا(البطنان) او طبرق بمديريات مختلفة
اما القيادة العسكرية في منطقة الجبل فتشمل:
المتصرفيات الثلاث : المرجوشحات ودرنة,هذه التنظيمات التي تنقصها الدقة وتقتضي تغييرا جذريا في العنوان والقيادة سواء في الميدان المدني او العسكري.
وقد برز فوق مسرح الاحداث (عمر المختار)...القائد المطلق....وقد كانت انظمتنا المختلفة تواجه هذا القائد, واحيانا تشتبك قواتنا مع بعضها البعض نظرا لعدم توحيد الخطط..ففي سرت حاكم عسكري مقره مدينة اجدابيا لان الحرب مستمرة في تلك المنطقة على خط العرض 29, وفي منطقة البطنان كان الحكم مدنيا وتنقصها الحركة العسكرية فهي معرضة دائما لهجوم الثوار , ولحركة التهريب من الحدود الشرقية.
وفي 31 مارس تم ادماج المتصرفيات الثلاث : المرج وشحات ودرنة تحت اسم واحد (متصرفية الجبل) مركزها المرج وبجانبها القيادة العسكرية.... وهكذا تتوحد الاعمال المدنية والعسكرية , وتصبح شحات ودرنة ملحقات خاضعة للقيادة العامة في الجبل.
وقد اخترت بنفسي (الكلام لغرتسياني المؤلف) لهذه المهمة المتصرف(داودياتشي) لما له من همة عالية ومقدرة خارقة, وله معرفة والمام بالشؤون المحلية, وبالاخص العرب سكان المنطقة, وكذلك له طرق خاصة في التعاون وتسهيل الامور. اما متصرفية البطنان , فقد تغيرت الى منطقة عسكرية يحكمها حاكم عسكري لمكافحة التهريب. ومتصرفية العواقير مركزها بنغازي وبجانبها الحكم العسكري , فبقيت كما هي دون تغيير . كذلك منطقة اجدابيا العسكرية لم يجر عليها أي تغييرز
وهكذا اصبحت المستعمرة منتظمة في ادارتها المدنية والعسكرية . بعد هذا القيت خطابا بينت فيه كل المجهودات والاعمال التي لابد من ان تبذل في تحقيق اهداف الدولة ز كل منا عليه ان يكون في مستوى المسئولة ويجب ان يسود الاعمال النظام والتعاون , وان تتماسك القوات العاملة في الميدانين المدني والعسكري ..ولا اريد ان اقول حسب المثل القديم (الكل للواحد والواحد للكل ), بل يجب ان نقول كلنا لايطاليا من اجل مجدها , وتوطيد حكمها لكي نحافظ عليه مهما يكن الامر.
هذا الخطاب سرى مفعوله في كل الاوساط الحكومية , وغير الحكومية وبدأ نشاط العاملين الذين فهموا مغزى هذه التصريحات , فأخذوا يسارعون في تحقيقها بكل جد واجتهاد لكي يبرهنوا للدولة على انهم عاملون من اجل الحكومة .
وفي 31مارس , صدرت البيانات لكل السلطات من اجل توضيح موقف الشعب المحلي _ أي موقف الليبيين الخاضعين للسلطات الايطالية _ ويستمر الخطاب : بعد الاطلاع على كل القرارات والمعلومات المقدمة من قلم الاستخبارات اتضح انها كلها مصدر للاضطرابات والاتصالات الخفية بين الخاضعين لسلطاتنا والثوار المجاهدين , والتفاعل فيما بينها في كل الميادين والنشاطات و وانا اعلم ان هذه الحركات الجديدة التي قمت بتنظيمها , جعلت الراي العام يأخذ فكرة جدية بأن الحكومة اخذت تضغط من ناحيتها على هذه الاتصالات والتفاعلات, بحيث يشعر الثوار ان الوضع تغير , واصبح موقفهم حرجا ولذلك كان الكلام واضحا وجليا بالنسبة للشعب الليبي ورؤسائه من المشايخ, حسب الخطة التي وضحها في كلماته صاحب السعادة المارشال بادوليو الحاكم العام..
وبدأت في اليوم الاول من شهر ابريل جولاتي في متصرفيات الجبل : (المرج-شحات- درنة) ..وفي اثناء هذه الجولات تحدثت الى الوجهاء المحليين ,, ووضحت لهم ان الحركات التمددية المعمول بها في الاحوال السابقة , والمحبوبة من العنصر العربي, قد تغيرت جذريا , ويجب اتباع النقاط الاتية:-
1- خضوع بلا قيد ولا شرط لقوانين الدولة الفاشيستسة , وتطبيقها بحيث ينبثق من خلالها السلام, ويكون رومانيا خالصا.
2- ولكي نصل الى النهاية لم تكن هناك تدخلات من أي كائن ااتعرض لتنفيذ رغبات الدولة من اجل الوصول الى اهدافها.
3- يفرض على افراد الشعب الليبي الخاضعين لسلطاتنا قطع كل العلاقات مع الثوار المجاهدين , كذلك منعهم من دفع الاعشار وغيرها من الاتاوات المفروضة على السكان من جانب الثوار .
4- يفرض على الشعب الليبي ان يهب الى معاونة السلطات مستقبلا ضد الثوار المجاهدين مع قوة الشرطة التي كانت موضوعة للدفاع فقط وان السكان كان موقفهم كاذبا وغير واضح في التعاون.
5- التطبيق وبدون تحديد الضغوط الجنائية ضد الهاربين من القانون بعد هذا بايام قليلة, عقد اجتماع مع المتصرفين في بنغازي حيث ناقشوا الخطة التي يجب ان تسير عليها اعمال الحكومة الجديدة وهي النقاط التالية:
1- عزل كلي لكافة السكان الخاضعين لسلطاتنا من الثوار .
2- استعمال سياسة النزوح وطريقة استجلاب السكان الى القاعدة دون ان تتأثر كرامة الحكومة في أي شيء منها مهما كان ضئيلا, وكذلك تخفيف طريقة نزع السلاح ومراقبة طرق تهريب الاسلحة والذخيرة الى الثوار.
3- الضغط الشديد على السكان المحليين لقطع علاقاتهم مع الدور أي معسكرات الثوار بشتى الطرق , سواء بالمحاكمات المدنية واثبات التهم الشديدة بحيث يكون الليبي متهما وينفذ فيه حكم الاعدام او السجن المؤيد للارهاب , وبحيث تخف الحركة العدائية وتهريب المؤن والعتاد الحربي.
4- ربط العلاقات بين القوات المسلحة وقوة الشرطه لكي يضبط الامن العام في المنطقة , وكذلك التعاون فيما بينهما عند اعتداءات الثوار على اية منطقة دون ان ينتظروا الاوامر العليا بل يتصرفوا فورا وفي كل الامور.
5- تقريب المعسكرات الى بعضها تدريجيا بحيث يمكنها ان تواجه الثوار في جبهة موحدة مهما كانت الاحوالز
6- تغيير الاسلحة حالا على علاتها الموجودة في يد القوات غير النظامية من نوع 1890 الى النوع الآخر 78-7- بحيث نضع حدا لحركة تهريب الاسلحة والذخيرةز
هذه النقاط بلا شك سيكون لها تأثير كبير وتردع من غلواء بعض المغرورين بحيث يجنحون قليلا الى الهدؤ ..وكذلك هي الحركة الحاسمة للوصول الى تحطيم الثوار المجاهدين . ومن اجل ان ننتقل من فترة الكلام الى فترة العمل وفي يوم 4ابريل صدر امر بتشكيل المحكمة الخاصة بالمرج حيث تعقد جلستها الاولى لمحاكمة اثنين من الليبيين المتهمين بقتل المواطن الايطالي (قاروفلو) التي حدثت من وقت مضى وكذلك محاكمة ثلاث اخرين بتهمة تعاونهم مع الثوار . وقد حكمت عليهم المحكمة بالاعدام فنفذ في المتهمين الاولين شنقا بينما الثلاثة الاخرون تغير الحكم الى السجن ثلاثين سنة . وهو الحكم الاول من المحكمة الخاصة بخصوص التعاون مع الثوار (المجاهدين).
ومن وراء هذا تبين للراي المحلي ان المحكمة سوف تكون قاسية ودون هوادة حتى يفهم اننا لازلنا رحيمين بالنسبة للمتهمين . فالحكومة من الآن فصاعدا ستكون اشد مما كانت عليه قبلا.
وعلى اثر هذه الاراء صدر البيان التالي مباشرة بعد تكوين المحكمة الخاصة نشر في كل انحاء المستعمرة:
(( الى الرؤساء والمشايخ والشعب البرقاوي.... بالامس تكونت المحكمة الخاصة بالمرج من اجل ان تحاكم الجناة الذين قتلوا المواطن الايطالي (قاروفلو) . وقد صدر عليهم حكم الاعدام زنفذ فيهم هذا اليوم في مدينه المرج , وقد حكمت المحكمة على ثلاثة اخرين بالاعدام لتعاونهم مع الثوار ولكن بخصوص هؤلاء الثلاثة ارادت الحكومة ان تكون سخية ورحيمة فأبدلت حكم الاعدام بالسجن لمدة ثلاثين سنة ومصادرة اموالهم وممتلكاتعهم.
رؤساء ومشايخ الشعب البرقاوي...هذا الحدث يبين لكم بأن أي تعاون مع الثوار خيانة عظمى ضد الدولة الايطالية وجزاء الخيانة معروف فمن الآن وصاعدا لن يكون الجزاء بمخالفة او سجن , وانما الحكم بالاعدام..واذا غيرنا الحكم الآن من الاعدام الى ثلاثين سنة سجنا فلكي نبرهن مرة اخرى بأن الحكومة لازالت سخية ورحيمة.لقد انذرتكم وقد اعذر من انذر. وعلى كل حال فقد وضعت الخطوط الاساسية للبرامج التي يجب اتباعها وقد ارتفع صوتي بها في كل مكان من المدينة الى القرية الى الحقول الى الصحراء البعيدة.وعلى الموظفين المحليين العمل لوضع الكلام موضع العمل المتواصل بكل جد واجتهاد الى النهاية . كما قال الحاكم المارشال بادوليو كلمته المأثورة (لا تتراخوا) ..(أي شدوا بقوة) . ومن ناحية اخرى كل احد عرف الطريق الذي عليه ان يسلكه.
وان الحكومة حملت على كاهلها حملا ثقيلا هو احترام العادات والتقاليد والديانة والنساء ومن اجل هذه المباديء فقد ابلغت الحكومة الشعب عن طريق القضاة والجريدة المحلية (بريد برقة) وهذا هو البيان المترجم والمنشور على الجريدة(( كل من عاش في المستعمرة كثيرا او قليلا , لابد وان يحترم واقعيا دون نقاش , التقاليد والعادات والديانة والنساء .ومن اجل هذه المباديء فقد ابلغت الحكومة الشعب عن طريق القضاء والجريدة المحلية بريد برقة و هذا هو البيان المترجم والمنشور على الجريدة:
(كل من عاش في المستعمرات كثيرا او قليلا , لابد وان يحترم واقعيا دون نقاش , التقاليد والديانة والنساء.).
لان الدولة الحاكمة لها وجهة سياسية من حيث التقدم والمدنية فلابد لها من ان تحافظ على كرامتها وتجعل نفسها في اعلى الدرجات حتى يهابها المحكومون... وع كل الاسف ان بعضا من ضباطنا لم يراعوا هذه المباديء ,بل حدثت منهم اعمال غير مشرفة , اثرت على كرامة دولتنا , وقد لاقوا جزاءهم في هذه الاحوال, غير انه يجب ان نشعر السكان المحليون , أي الليبيين بأننا (اعلى منهم درجات) في المدنية والاخلاق والمعنوية... هكذا قال صاحب السعادة الحاكم العام...!
ولكن اذا كان هذا ينقص من كرامتنا , ويحط من قيمة علم وطننا , فقد ينتج عنه مضاعفات اخرى تناقض المباديء .
على الضباط والموظفين ان يعبروا عن هذه الحقيقة المطلقة لهذه الكلمات , ويبرهنوا بأنهم فهموها. فالسكان المحليون – أي الليبيون- احسوا بأن الحكومة قوية في كلامها وفي ضغطها...اذا حاول احد ان يغير من برامجها....القوات المسلحة على استعداد))...
لما استلم المارشال بادوليو الحكم في ليبيا قبل كل شيء وحد الادارة , ووضع مشروع السنوات الخمس , ثم وجه جهوده في تنظيم القوات المسلحة ...هذا التنظيم يختص بتخفيض العدد الضخم الذي كان عليه الجيش في المستعمرات .في طرابلس كانت القوات تحتاج للتدريب على الحروب الصحراوية من اجل احتلال منطقة فزان . هذه الاجراءات العسكرية انتجت احتلال فزان بكل نجاح ..
وهكذا اصبحت المنطقة الجنوبية من ليبيا تحت سيطرتنا تماما, واصبحت بقية القوات مهمتها المحافظة على المدن الساحلية..اما في برقة فأن قوة الجيش الدائمة عددها 23000 جندي خفض العدد الى 13000 جندي .. وكان هذا العدد موضوعا لحماية اعمال الطرق في منطقة الجبل ومن اجل هذا خفض الجيش الى النصف تقريبا. فنصف العدد يفيد اكثر عندما يكون منتظما ومزودا بعناصر قوية ومتفهمة , فيمكن الوصول الى الاهداف المنشودة بسرعة واقدام, خير من ان يكون هذا ضعف اضعافه بدون نظام..
وقد لاحظ عمر المختار هذا التغير فاعتقد انه من اثر ضغطه على الاماكن المجاورة , وعلاوة على ذلك في يوم 13يونيو 1929م وصل الى قلعة عقبة المرج, ولكي يحسن تخفية سوء نيته , اطلق نداءه المشهور داعيا الى الهدوء والسلام.
((تجولوا حيثما شئتم , وكيفما تشاءون . الغوا الاستحكامات لانها لم تعد صالحة في برقة , ولم تعد هناك حرب لانها انتهت)).
وكذلك كان فكره البسيط والبدائي , لانه كان يفكر بعقلية البداوة, ولانه عاش في هذه البئية...بيئة البداوة , وهو شيخ من مشائخها,,,فكان يعتقد ان تخفيض القوات من صالحه, وتخفف الضغط عليه , لان كثرة القوات يضطر امامها ان يقسم قواته , وهنا لايستطيع ان يواجه قواتنا مواجهه حقيقية. ولذلك بتفكيره البسيط استمر في اعتقاده انه بتخفيض قواتنا , اصبح الانتصار علينا عنده حقيقة واقعة ,ولم يدر بأن التخفيض كان مقصودا ..ولذلك كانت غلطة القائد البدوي فاحشة في هذا التقدير ...وكذلك جماعة (مواعيد القهاوي) او المقاهي تأكدوا بأن المكاسب الخيالية التي كانوا ينعمون بها قد تلاشت بتخفيض القوات المسلحة العاملة في الحرب ..فالحوادث المقبلة ستبرهن بكل وضوح ان القوات التي كانت مرابطة في برقة , كان في الامكان ان نحتل بها واحة الكفرة النائية, وكذلك اخضاع التمرد في الجبل الاخضر , وحماية اعمال الطرق الجارية , وقفل الحدود الشرقية –أي الحدود المصرية_ وحماية نواجع الخاضعين لسلطاتنا ومراعيهم وحيواناتهم وفي كلمة واحدة فالقوات التي ذكرناها كان في الامكان بها القضاء المبرم على الثوار في برقة او من يتعامل معهم ...اذن ما هي معجزة بعض الخبز والسمك؟.
(( وان هذه الثورة)) كانت اتفه حاجة عند الناس؟
لا هذا ولا ذاك...
وانما هي صفر في مكان الرقم لاتمام الاحتياطات الخصوصية .لتوظيف طوابير كثيرة في هذه الحرب دون نتيجة , وتكاليف باهظة ..فيجب ان يكون هناك توازن حقيقي بين النهاية ووسائلها , بحيث نصل الى الهدف الاخير . ولكن المعالجة ما هي الا توظيف قوات وعتاد , مكونة من قوات الجيش النظامية والاقسام غير المنظمة (ثوار ودوريات) بالجيوش النظامية خاضعة لقيادة الجيش ...بينما بقية التنظيمات خاضعة للمتصرفين ..وهذه الاعمال المختلفة توجد ارتباكا في تسيير دفة الحرب لايتصوره احد يحسن التفكير لانه يكون هناك جيشان وقيادتان مقياسان مختلفان يوظفان فوق ارض واحدة , بينما هي تحتاج الى توحيد عملي في هذه الانظمة ..فالمتصرفون بأندفاع جيد احيانا يكونون على راس اقسامهم غير النظاميين يخوضون المعارك ويدفعون الثمن غاليا من دمائهم, ولكن هذا لاينزع الاخطاء الجذرية التي بها تضيع كل المطامع او المطامح او التقديرات المختلفة للحالة الجارية.
وكان معروفا بأن الدوريات الغير نظامية او الدوريات ما هي الا مورد كبير (لعمر المختار) في كل المجالات العسكرية والاقتصادية..من حيث الاسلحة والعتاد الحربي وكذلك التموين. ولكن بالرغم من هذا فأن هذه القوات تدافع معنا جنبا الى جنب وبصدق. ولكن شخصيتهم ضعيفة جدا امام هذه القوات المزدوجة .بحيث يسهل خداعهم وسحبهم الى جانب الثوار(يعني المجاهدين). وقد اختبرنا هذا الموضوع في عدة مراحل , وكان كل متصرف يقسم بأستمرار ولاء هذا الجنود غير النظاميين واخلاصهم , غير ان القائد العسكري ينفي هذا الولاء وينكره..وبكل هذه الدراسات لابد وان نصل الى الاهداف تدريجيا بعد اخراجها الى حيز الوجود..وفي الواقع قبل ان نبدأ في حل القوات غير النظامية , حاولنا بكل الطرق وبكل الوسائل بأن نرفع من روحهم المعنوية ومدى اخلاصهم لنا.
من اجل هذه الاعمال وفي 6 مايو اصدرت البانات التالية ((بحث شامل لحالة نشاط القوات البوليسية التي كلفت الحكومة الكثير من ميزانية المستعمرات. والواقع ان مجموع حنود المحليين والدوريات بلغ 2188 جنديا من بينهم الف فارس وبرواتب تقدر بحوالي عشرة ملايين واربعمائة وثلاثة وثمانون الفا ومائة واثنان واربعون فرنكا. وزيادة على ذلك فكل السلطات العسكرية والمدنية والشرطة , ثبت لدينا بأنها تتاجر مع الثوار(المجاهدين) ومع الخاضعين لحكمنا . وعن طريقهم تتسرب الاسلحة والذخائر وجزء من مرتباتهم وبكلمة واحدة يعتبرون ممولين لعمر المختار وادواره أي معسكراته. وهذا عمل ايجابي يجعلهم دائما في موقف المدافعين لا المهاجمين.
لو ان 2188 جنديا محليا صدقوا منهم 500 جندي فقط لقضي على عمر المختار واتباعه في ايام قليله , ويمكن ان نستنتج ان مشروعية هذه الاعمال بالنسبة للجيش والشرطة كانت في غير صالحنا ...وقد اتضح اثناء العمليات ان كل الادوار تتكون من عناصر يعتبرون اقارب للعرب الخاضعين لحكمنا.. وهذه هي العقدة المزمنة التي يجب ان نتخلص منها بكل الوسائل.. وكذلك التغلب عليها.
ان قصة الدفاع عن النواجع والمراعي غير صحيحة , ولا كاف بأن نقول انه يجب ان نصرف عشرة ملايين ونصف من الفرنكات التي تذهب الى جيوب المستغلين سواء كانوا خاضعين لحكمنا ام ثوارا. كل هذه الاعمال المريضة يجب ان تنتهي. ولابد من ايجاد علاج ناجع لهذا المرض المزمن , وهو ليس بالاخير للقضاء على الثورة ..من اجل ذلك على النواجع من اليوم فصاعدا ان يتهيأوا للانتقال الى الاماكن التي ستحددها لها السلطات المحلية بناء على التعليمات التالية:_
1-ان نواجع الخاضعين لسلطاتنا يجب ان توضع تحت رقابة دائمة ومتجمعة في مكان واحد ومنطقة رعوية واحدة ,بحيث يمكن الدفاع عنها من غارات الثوار(يعني المجاهدين) هذا الدفاع لا يتحقق الا اذا اخذنا بعين الاعتبار الصيغة التالية..( ان تنهوا التواطؤ وتقطعوا العلاقات ايا كان نوعها مع الادوار , وان تمتنعوا عن دفع الاعشار , وعندها ستكونون سعداء وسيسود الهدؤ , لتعيشوا حياة افضل بدا ان تستسلموا للضعف , واذا تماديتم في الثورة فلن تكون هناك قوة تمنع الحكومة من اتخاذ الاجراءات القاسية تجاهكم.
2- وعلى ضوء هذه الاعمال لابد وان نستغني عن خدمات الكثيرين من المتطوعين في سلك الشرطة . فالذي نحتاج اليه هو ذلك العدد القليل منهم لحراسة النواجع ومراقبتها . اما بقيم المراكز فلابد من الغائها لانها اصبحت غير مجدية.
3- ان قوات الشرطة المحلية يجب ان تكون تشكيلات للدفاع البعيد, ولا يجب ان تكون مهمتها في عمليات هجومية , لاننا لم نطمئن لحركاتهم , بل يجب ان تكون محدودة وبسيطة. بحيث يكونون بقرب الاماكن التي يمكن الحصول فيها على الاعشار وبحيث نخلق فيما بينهم روح النفور والاشمئزاز من هذه الاعمال التي ترغم الذين استغني عن اعمالهم في الجندية والشرطة بالبحث عن عمل في مجالات اعمال الطرق. وهنا تبدأ الاعتداءات على نواجع الخاضعين لسلطاتنا ..وهذه الاموال يمكننا استغلالها لصالحنا . وبهذا يمكن ضرب عصفورين بحجر واحد ..اما ان يستسلموا او يموتوا جوعا وعطشا.لان المبالغ التي كانت تصرف لهم من جانب الدولة جنود متطوعين وشرطة.جاءت بعكس ما كان منتظرا فساعدوا الثوار على الاستمرار في القتال.
4- ان قوات الشرطة يجب ان تتسلح ببنادق فقط من طراز 70-78.
5- استعمال هذه القوات يجب ان تكون متحركة , ونتيجتها ان تنزل للميدان وجها لوجه , ضد قوات المجاهدين , لانه لايفل الحديد الا الحديد.
6- ان قوات الشرطة تخضع تحت ادارة المتصرفية , وتكون موجهة من الادارة العسكرية التابعة للمتصرفية.
7- الجنود المتطوعون يجب استغلالهم الى ابعد حد ,بشكل متواز مع قواتنا المسلحة , وبهذه الاعمال نكون قد استفدنا منهم استفادة عسكرية وعملية.
ان تغيير الاسلحة لجنودنا المتطوعين العرب من بنادق نوع 91 الى بنادق 70-78 اثبت تأثيرا كبيرا على الثوار(المجاهدين) لانقطاع تهريب البنادق والذخيرة فأصبح الثوار جنودا بلا سلاح , وقد ثبت لي هذا فيما بعد من عمر المختار نفسه . ولكن رغم تحفظنا وتشددنا . فقد تسربت هذه الاسلحلة الجديدة الى ايدي الثوار عن طريق الوطنيين المندسين بين صفوفنا , وكذلك الذين يقاسموننا الحياة داخل المدن و فهم كذلك يظهرون لنا الولاء ولكنهم يعملون ضدنا في الخفاء . فهم الوسيلة الوحيدة التي استعصى علينا اكتشافها.
وان تسريح معظم الجنود العرب الخاضعين لسلطاتنا كان في صالحنا من عدة نواح منها تخفيف الضغط المادي على خزانة الحكومة ..وكذلك الحصول على الكثير من الاسلحة التي كانت بأيدي الجنود العرب الذين كانوا يعملون في معسكراتنا.
وعند اجراء بحث كأمتحان ومقارنة بين الحالة في برقة والحالة في طرابلس , نجد الفرق شاسعا بين الحالتين..فكل ما صرف في احتلال طرابلس مرة ثانية كان لا يتناسب مع ما نصرفه الآن في الحرب البرقاوية التي من اجلها سجل علينا اللوم من السلطات العليا , وانتقدنا في تصرفاتنا بلهجة شديدة لم يسبق لها مثيل ..رغم ما كنا نستفيده من المشايخ والعمد ورؤساء القبائل نتيجة اخلاصهم لنا وتعاونهم معنا ولم نسجل ولو حادثة واحدة منها..
وفي الواقع ان حركة الثورة في القطر الطرابلسي تختلف كليا عن الحركة في القطر البرقاوي لانه كان محدودا في حد ذاته , وامكننا القضاء على هذه الثورة بسهولة.لانهم كانوا متفرقين ..كل مجموعة تعمل على حدة..اما في برقة فالثورة كانت عامة منها الظاهر ومنها الخفي . وهناك قوة تدفع بها في الميدان لتتمركز وتسيطر على العقول البسيطة سائرة بها الى هوة الدمار ..هذه القوة هي العقيدة الدينية(السنوسية)! التي عرفت كيف تخدع وكيف تسيطر.اما تجاه ناحية سلطاتنا فلم يكن هناك امل او تفاهم في اصلاح ذات البين.فالمعارك مستمرة بالسيف وكما يقال العين بالعين والسن بالسن.ومن اجل هذه الحقيقة فقد اختفى من الميدان كل الجنود العرب الخاضعين لنا والمتطوعين في جيشنا وقد اقتصدت خزانة دولتنا ما يزيد عن عشرة ملايين من الفرنكات كانت تصرف كلها مرتبات ومساعدات لاناس عملوا دائما بوجهين . معنا وعلينا, وقد انتزع للابد الاستغلال الفاحش لاموال الدولة من الانتهازيين.
القوات النظامية
في شهر نوفمبر 1929 م استؤنف العدوان من جانب عمر المختار بعدما تأكد من اننا ضاعفنا قواتنا , وبدانا في تنظيم وحداتنا التي اخذت منا كل جهد وتعب ..فأنتهز هذه الفرصة واستأنف القتال بينما نحن لا زلنا في دور التنظيم والتخطيط . وفي شهر مارس 1930 بعد مضي خمسة شهور في قتلا وعداء مسامر , وصلت قواتنا النظامية الى الترتيب التالي:
1- كتيبة القناصة الافريقية.
2- فرقة من الميليشيا الفاشيستية
3- مجموعة من فرق الدروع واحدة للقناصة واثنتان ميليشا.
4- كتيبتان من الليبيين ( السابعة والعاشرة).
5- خمسة من كتائب الاريتريين المختلطة.
6- جماعة من حراس الحدود المدرعة.
7- خمس سرايا من الفرسان وتسمى صوارى.
8- سريتان من الهجانة.
9- ثلاث بطاريات او حواشد من المدفعية (المدرعة او الميدانية).
10-اربعة اسراب من الطائرات.
مجموع ما معها رئاسة واعمال12.500الف جندي . اما القوات العاملة التي تهمنا من قرب فقد كانت مكونة من:
1- كتيبتان من الجنود الليبيين
2- خمس كتائب من الاريتريين .
3- خمس سرايا من الفرسان او (الصواري).
4- سريتان من الهجانة.
5- ثلاث سرايا من الدبابات المدرعة السريعة .
6- جماعة من المتخصصين في سلاح الدروع _اي الدبابات الثقيلة_ وكذلك شرطة الحدود.
7- ثلاث بطاريات او حشود المدفعية الميدانية.
8- اربعة اسراب من الطائرات.
اما الاقسام الليبية فلم تقم بالاعمال الموكولة لها لان تأثير عمر المختار في صفوفهم كان كبيرا.لان اتباعه كانوا مندسين بين الجنود.يبثون في صفوفهم العقيدة والجهاد بحيث انهم في الوقت المناسب يفرون بأسلحتهم وامتعتهم.وكان رئيس الثوار(يعني المجاهدين) يهددهم اذا لم يفعلوا ويهربوا الى صفوفهم سوف يدفعون الثمن هم واسرهم بل وكل قبيلتهم في مصير مفجع مثل هذا.او عمل يد سوداء طويلة وخفية تهدد هؤلاء المساكين الذين لاحول وقوة لهم بحيث لا يمكنهم الاعتراض على الضغط والظلم.واستبداد السنوسيين الذين لاهم لهم الا بالتهديد والوعيد على المسالمين في المدن...ولكن هذا لايهم عمر المختار . فكل اجتهاده ورغبته في ان تكون صفوفه مليئة بالمجاهدين او الثوار. وكذلك لايهمه ان مات عشرة او خمسون او مائة من الليبيين.(!!!).
فالمهم عنده ان يصل الجندي الهارب بأمتعته وسلاحه , وكذلك يحمل معه معلومات عن خطتنا الحربية وانه لاْمر عجيب.
وهذا ما اثبته لنا واعترف به حسن الرضا السنوسي و الذي اكد لنا بأنه اثناء المعارك كان الجنود الليبيون يتركون على الارض الذخيرة والعتاد والاسلحة مبعثرة. وبعد انتهاء المعركة يتسلل الثوار اثناء الليل ويستحوذون على هذه الذخيرة والعتاد من اجل استعمالها ضدنا.
ان قلوب رؤساء هؤلاء الجنود وصدورهم المليئة بالاوسمة والنياشين وىثار الجروح والعاهات التي بقيت على اجسادهم, تجعلنا نعطف عليهم من صميم قلوبنا . ولكنهم برهنوا عكس ذلك , الامر الذي جعلنا نجزم بأنهم يلعبون على حبلين معنا وضدنا. وعلى ضوء هذه التحاليل المؤلة التي اوصلتنا نهائيا الى حل هذه التشكيلات الليبية بأتثناء سرايا الفرسان والمشاة المسلحة ببنادق ماوسير صنع نمساوي , بحيث يمنع التسرب لانها لاتنطبق مع اسلحة الثوار يعني المجاهدين لانها من نوع 91.